ابن عربي

87

كتاب الحجب

الشفافة يدرك البصر ما وراءها ويحصل له الالتباس إذا أدراك ما فيها كما قيل : رق الزجاج ورقت الخمر * فتشاكلا فتشابه الأمر فكأنما خمر ولا قدح * وكأنما قدح ولا خمر وأما المرائي والأجسام الصقيلة فلا يدرك موضع الصور منها ولا يدرك ما وراءها ويدرك الصور الغائبة عن عين المدرك بها لا فيها فالصور المرئية حجاب بين البصر وبين الصقيل وهي صور لا يقال فيها لطيفة ولا كثيفة وتشهدها الأبصار كثيفة وتتغير أشكالها بتغير شكل الصقيل وتتموج بتموجه وتتحرك بتحرك من هي صورته من خارج وتسكن بسكونه إلا أن يتحرك الصقيل كتموج الماء فيظهر في العين فيها حركة ومن هي صورته ساكن فلها حركتان حركة من حركة من هي صورته وحركة من حركة الصقيل فما في الوجود إلا حجب مسدلة والإدراكات متعلقها الحجب ولها الأثر في صاحب العين الدرك لها . وأعظم الحجب حجابان : حجاب معنوي ، وهو : الجهل . وحجاب حسي ، وهو : أنت على نفسك . فأما الحجاب الأعظم المعنوي فقول رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) لما أسري به في شجرة فيها وكرا طائر فقعد جبريل في الوكر الواحد وقعد رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) في الآخر فلما وصلا إلى السماء الدنيا تدلى إليهما شبه الرفرف درا وياقوتا وكان ذلك نوعا من تجلي الحق قال ( عليه السلام ) : فأما جبريل فغشي عليه لعلمه بما تدلى إليه . وأما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فبقي على حاله لكونه ما علم ما هو فلم يكن له سلطان عليه فلما أخبره جبريل عندما أفاق أنه الحق قال صلى اللّه عليه وسلم عند ذلك فعلمت فضله يعني فضل جبريل علي في العلم فالعلم أصعق جبريل وعدم العلم أبقى النبي صلى اللّه عليه وسلم على حاله مع وجود الرؤية من الشخصين فهذا أعظم الحجب المعنوية وأما كونك حجابا عليك وهو أكثف الحجب الحسية فقول القائل : بدا لك سر طال عنك اكتتامه * ولا صباح كنت أنت ظلامه فأنت حجاب القلب عن سر غيبه * ولولاك لم يطبع عليه ختامه إذا غبت عنه حل فيه وطنبت * على منكب الكشف المصون خيامه