ابن عربي
88
كتاب الحجب
وجاء حديث لا يمل سماعه * شهي إلينا نثره ونظامه فما جعل حجابا عليك سواك ثم نرجع إلى مسألتنا ونقول أما موسى عليه السلام فكان قد استفرغه طلب النار لأهله وهو الذي أخرجه لما أمر به من السعي على العيال والأنبياء أشد الناس مطالبة لأنفسهم للقيام بأوامر الحق فلم يكن في نفسه سوى ما خرج إليه فلما أبصر حاجته وهي النار التي لاحت له من الشجرة من جانب الطور الأيمن ناداه الحق من عين حاجته بما يناسب الوقت إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى « 1 » ولم يقل لما أوحي أنني أنا اللّه فثبته الخطاب الأول بالنداء لأنه خرج على أن يقتبس نارا أو يجد على النار هدى وهو قوله أو آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أي من يدله على حاجته فكان منتظرا للنداء قد هيأ سمعه وبصره لرؤية النار وسمعه لمن يدله عليها فلما جاءه النداء بأمر مناسب لم ينكره وثبت فلما علم أن المنادي ربه وقد صح له الثبوت وجاءه النداء من خارج لا من نفسه ثبت ليوفي الأدب حقه في الاستماع فإنه لكل نوع من التجلي حكم وحكم نداء هذا التجلي التهيؤ لسماع ما يأتي به فلم يصعق ولا غاب عن شهوده فإنه خطاب مقيد بجهة مسموع بإذن وخطاب تفصيلي فالمثبت للإنسان على حسه وشهود محسوسه قلبه المدبر لجسده ولم يكن لهذا الكلام الإلهي الموسوي توجه على القلب فليس للقلب هنا إلا ما يتلقاه من سمعه وبصره وقواه حسبما جرت به العادة فلم يتعد الحال حكمه في موسى عليه السلام وأما أمر محمد صلى اللّه عليه وسلم فهو نزول قلبي وخطاب إجمالي كسلسلة على صفوان فأجعل بالك لهذا التشبيه فاشتغل القلب بما نزل إليه ليتلقاه فغاب عن تدبير بدنه فسمي ذلك غشية وصعقا وكذلك الملائكة أخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الملائكة في طريان هذا الحال أنه إذا كان الوحي المتكلم به كسلسلة على صفوان وكان نزوله على قلوب الملائكة فإنه قال حتى إذا فزع عن قلوبهم ثم لما أفاقوا أخبر عنهم بأنهم يقولون ما ذا وهنا وقف ثم يجيبهم فيقول بكم وهنا وقف فيقولون الحق بالنصب أي قال الحق كذا علمناه وهو العلي عن هذا النزول في هذا النزول الكبير عن هذا التشبيه في هذه النسبة وعلى الوجه الآخر قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ وهنا وقف فيقول بعضهم لبعض الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ
--> ( 1 ) الآية رقم ( 12 ) من سورة طه .