ابن عربي

86

كتاب الحجب

ولذا قال في الآية : وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ « 1 » ولم يقل وويل لكم فهذا يدل بقرينة الحال أنهم عاملون في رفع الحجاب وإخراج قلوبهم من الأكنة وإنما كثر الأكنة لاختلاف أسباب توقفهم في قبول ما أتاهم به فمنهم من كنه الحسد وآخر الجهل وآخر شغل الوقت بما كان عنده أهم حتى يتفرغ منه والكل حجاب ومن أعجب الأشياء الواقعة في الوجود ما أقوله وذلك أن الملائكة إذا تكلم اللّه بالوحي كأنه سلسلة على صفوان تصعق الملائكة ورسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) كان إذا نزل عليه الوحي كسلسلة على صفوان يصعق وهو أشد الوحي عليه فينزل جبريل به على قلبه فيفنى عن عالم الحس ويرغوا ويسجي إلى أن يسري عنه وأنه لينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيتفصد جبينه عرقا وموسى صلى اللّه عليه وسلم كلمه اللّه تكليما بارتفاع الوسائط وما صعق ولا زال عن حسه وقال وقيل له وهذا المقام أعظم من مقام الوحي بوساطة الملك فهذا الملك يصعق عند الكلام وهذا أكرم البشر يصعق عند نزول الروح بالوحي وهذا موسى لم يصعق ولا جرى عليه شيء مع ارتفاع الوسائط وصعق لذلك الجبل فاعلم أن هذا كله من آثار الحجب فإن الحكم لها حيث ظهرت فإن اللّه لما خلقها حجبا لم يمكن إلا أن تحجب ولا بد فلو لم تحجب لما كانت حجبا وخلق اللّه هذه الحجب على نوعين معنوية ومادية وخلق المادية على نوعين كثيفة ولطيفة فالكثيفة لا يدرك البصر سواها واللطيفة يدرك البصر ما فيها وما وراءها

--> على النبي صلى اللّه عليه وسلم ومشورة لا إلزاما وله عوائد بذلك ولا يبعد أن يكون النبي كان أذن له في مثل ذلك فلا يستلزم ما وقع من عمر أنه اجتهد مع وجود النص كما تمسك به قوم في جواز ذلك وإنما أشار بالذي ظهر له فقط ولهذا احتمل منه النبي صلى اللّه عليه وسلم أخذه بثوبه ومخاطبته له في مثل ذلك المقام حتى التفت إليه متبسما كما في حديث بن عباس بذلك في هذا الباب قوله إنما خيرني اللّه فقال استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة وسأزيده على السبعين في حديث بن عباس عن عمر من الزيادة فتبسم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال أخر عني يا عمر فلما أكثرت عليه قال أني خيرت فاخترت أي خيرت بين الاستغفار وعدمه وقد بين ذلك حديث بن عمر حيث ذكر الآية المذكورة وقوله 4394 في حديث بن عباس عن عمر لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها وحديث بن عمر جازم بقصة الزيادة وآكد منه ما روى عبد بن حميد من طريق قتادة قال لما نزلت استغفر لهم أو لا تستغفر لهم قال النبي صلى اللّه عليه وسلم قد خيرني ربي فو اللّه لأزيدن على السبعين وأخرجه الطبري من طريق مجاهد مثله والطبري أيضا وابن أبي حاتم من طريق هشام بن عروة عن أبيه مثل وهذه طرق وأن كانت مراسيل . ( 1 ) الآية رقم ( 2 ) من سورة إبراهيم