ابن عربي

85

كتاب الحجب

واحد منهم إلا ما أعطاء حاله لا ما أعطاه الطريق ولا ما هو الطريق عليه في نفسه ولا سيما السلوك المعنوي فإن عمى القلوب أشد من عمى الأبصار فإن عمى القلوب يحول بينك وبين الحق وعمى البصر الذي لم ير قط صاحبه ليس يحول إلا بينك وبين الألوان خاصة ليس له إلا ذلك وهذا العمى من الحجب وكذلك الصمم والقفل والكن والغشاوة دون العمى في الحكم إلا أن تكون الغشاوة تعطي الظلمة فلا فرق بينهما وبين العمى فإن خرجت عن حد الظلمة إلى حد الصدفة فقد يكون حال صاحبها أحسن من حال صاحب الظلمة ومن حال الأعمى قال بعضهم لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ومن بيننا وبينك حجاب وهو الأكنة فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ « 1 » أي اعمل في رفع ذلك ويحتمل قولهم أننا عاملون في رفع ذلك في حق من يحتمل صدقه عندهم فإنهم اعترفوا أن قلوبهم في أكنة مما يدعوهم إليه فما جحدوا قوله ولا ردوه كما اعتقد غيرهم ممن لم يقل ذلك فلا أدري ما آل إليه أمر هؤلاء فإنهم عندي في مقام الرجاء فإنا نعلم قطعا أن الرسول يعمل في رفع الغطاء عن أعينهم بلا شك حتى قال : ( لأزيدن على السبعين ) « 2 »

--> ( 1 ) الآية رقم ( 5 ) من سورة فصلت ( 2 ) حديث : ( لأزيدن على السبعين ) روى عبد بن حميد والطبري من طريق الشعبي عن بن عمر عن عمر قال أراد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يصلي على عبد اللّه بن أبي فأخذت بثوبه فقلت واللّه ما التابعين اللّه بهذا لقد قال أن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر اللّه لهم ووقع ثم بن مردويه من طريق سعيد بن جبير عن بن عباس فقال عمر أتصلي عليه وقد نهاك اللّه أن تصلي عليه قال أين قال قال استغفر لهم الآية وهذا مثل رواية الباب بالحق عمر قد فهم من الآية المذكورة ما هو الأكثر الأغلب من لسان العرب من أن أو ليست لتخيير بل للتسوية في عدم الوصف المذكور أي أن الاستغفار لهم وعدم الاستغفار سواء وهو كقوله تعالى سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لكن الثانية أصرح ولهذا ورد أنها نزلت بعد هذه القصة كما سأذكره وفهم عمر أيضا من قوله سبعين مرة أنها للمبالغة وأن العدد المعين لا مفهوم له بل المراد نفي المغفرة لهم ولو كثر الاستغفار فيحصل من ذلك النهي عن الاستغفار فأطلقه وفهم أيضا أن المقصود الأعظم من الصلاة على الميت طلب المغفرة للميت والشفاعة له فلذلك استلزم عنده النهي عن الاستغفار ترك الصلاة لذلك جاء عنه في هذه الرواية إطلاق النهي عن الصلاة ولهذه الأمور استنكر إرادة الصلاة على عبد اللّه بن أبي هذا تقرير ما صدر عن عمر مع ما عرف من شدة صلابته في الدين وكثرة بغضه للكفار والمنافقين وهو القائل في حق حاطب بن أبي بلتعة مع ما كان له من الفضل كشهوده بدرا وغير ذلك لكونه كاتب قريشا قبل الفتح دعني يا رسول اللّه أضرب عنقه فقد نافق فلذلك أقدم على كلامه للنبي صلى اللّه عليه وسلم بما قال ولم يلتفت إلى احتمال إجراء الكلام على ظاهره لما غلب عليه من الصلابة المذكورة قال الزين بن المنير وإنما قال ذلك عمر حرصا -