ابن عربي
84
كتاب الحجب
( وصل ) ومن هذا الباب أن اللّه ما جمع لأحد بين مشاهدته وبين كلامه في حال مشاهدته فإنه لا سبيل إلى ذلك إلا أن يكون التجلي الإلهي في صورة مثالية فحينئذ يجمع بين المشاهدة والكلام وهذا غير منكور عندنا وقد بلغنا عن الشيخ العارف شهاب الدين السهروردي ببغداد رضي اللّه عنه أنه قال بالجمع بين المشاهدة والكلام ولكن ما نقل عنه أكثر من هذا فإني سألت الناقل فلم يذكر لي نوع التجلي والظن بالشيخ جميل فلا بد أن يريد التجلي الصوري ألا ترى السياري من رجال رسالة القشيري حيث قال ما التذ عاقل بمشاهدة قط ثم فسر فقال لأن مشاهدة الحق فناء ليس فيها لذة والخطاب في حال الفناء لا يصح لأن فائدة الخطاب أن يعقل ولذلك قال : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ « 1 » وما زال البشر عن حكم البشرية كمسألة موسى والحجاب عين الصورة التي يناديه منها وما يزول البشر عن بشريته ولئن فني عن شهودها فعين وجودها لا يزول والحد يصحبها وإنما قلنا هذا لأني سمعت بعض الشيوخ يقول هذا حظ البشر فإذا زال عن بشريته كان حكمه حكما آخر فأبنت له رضي اللّه عنه أن الأمر ليس كما يظنه فلما تحقق ما ذكرناه رجع عن ذلك وقال ما كنت أظن أن الأمر على ما قلته لم أجعل بالي من هذا فإنه تكلم في شرح الآية فغلط ما تكلم في ذلك عن ذوق الأمر ومن هنا يقع الغلط . ونحن نعلم أن الذي قاله اللّه حق كله وأنه لا يخالف الأذواق فلا بد أن يكون كلام الذائق مطابقا للإخبارات الإلهية حتى يقول من لا معرفة له بمقام الرجال أن هذا المتكلم يتكلم بما لا يخالف ما جاء به قرآن أو سنة إنما هو أخذه منهما وهو مفسر لهما وصاحب الذوق ما قال إلا ما ذاقه فمن المحال أن يخالف شيئا مما جاء عن اللّه لكن الأجنبي الذي لا ذوق له يقول هذا عن الذائق بل جماعة من أهل الطريق ممن لا ذوق لهم يتخيلون مثل هذا ويقولون أن فلانا يتكلم من حيثما ورد في الأخبار الإلهية ليس له مادة غيرها وينكرون الذوق لأنهم ما عرفوه من نفوسهم مع كونهم يعتقدون في نفوسهم أنهم على طريق واحدة وكذلك هو الأمر أصحاب الأذواق هم على طريق واحدة بلا شك غير أن فيهم البصير والأعمى والأعشى فلا يقول
--> ( 1 ) الآية رقم ( 51 ) من سورة الشورى