ابن عربي

16

كتاب الحجب

هذا النور الحجب ، والدخان ، والظلمة ، التي في الصدر من الشهوات فسكن الدخان ، وانقشعت الظلمة ، واستتار الصدر فأبصر عاقبة أمره ، وأنها قاطعة لكل لذة وشهوة وحائلة بينه وبين كل أمنية وأن عمره أنفاس معدودة لا يدري متى ينفد العدد فصار من ذلك على خطر عظيم ، ولا يعلم متى يحل به الموت ويبغت به الأمر فيرحل إليه من دار الغرور مغترا به مخدوعا عنه مع دنس المعاصي وقبح الآثام فلا وصول إلى توبة ولا مهلة له في إنابة فيكون مقدمه مقدم العبيد الآباق « 1 » الذين أمهلهم اللّه في الدنيا وحلم عنهم وكانوا يحكمون لأنفسهم بما يشتهون في دنياهم وهم مستدرجون في مكره فيردهم إليه ، ويحكم فيهم بما يستوجبون من إباقهم قال اللّه تعالى : ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ « 2 » فالكيس نظر بنوره الذي منّ اللّه تعالى عليه به فأبصر أن الموت قاطع لكل لذة حائل بينه وبين التوبة ، فانكسر قلبه وذبلت نفسه وخمدت نار شهوته واكفهر الحق في وجه أمنيته واستعد لكل ذنب توبة واعتذارا ومكان كل سيئة حسنة واستغفارا لتكون الحسنة غطاء للسيئة والتوبة محّاء للخطيئة فهذا تفسير قوله عليه السلام أكيسهم أكثرهم ذكرا للموت ، وأحسنهم له استعداد . فالاستعداد أن يجانب التخليط مجانبة لا يحتاج إلى استمهال إذا فاجأه أمر اللّه تعالى وجاءته دعوته فيقول أمهلني

--> ( 1 ) جمع : آبق ، وهو الذي يفرمن مولاه . ذكر ابن الجوزي قال : بلغنا عن بعض السلف أنه قال رأيت في بعض الجبال شابا أصفر اللون غائر العينين مرتعش الأعضاء لا يستقر على الأرض كان به وخز الأسنة ودموعه تتحادر فقلت له من أنت فقال آبق من مولاه قلت فتعود وتعتذر فقال العذر يحتاج إلى إقامة حجة فكيف يعتذر المقصر فقلت تتعلق بمن يشفع فيك فقال كل الشفعاء يخافون منه قلت فمن هو قال مولاي رباني صغيرا فعصيته كبيرا شرط لي فوفاني وضمن لي فأعطاني فخنته في ضماني وعصيته وهو يراني فوا حيائي من حسن صنعه وقبيح فعلي فقلت أين هذا المولى فقال أين توجهت لقيت أعوانه وأين استقرت قدمك ففي داره فقلت ارفق بنفسك فربما أحرقك هذا الخوف فقال الحريق بنار خوفه لعله يرضى أحق وأولى ثم أنشأ يقول : لم يبق خوفك لي دمعا ولا جلدا * لا شك أني بهذا ميت كمدا عبد كئيب أتى بالعجز معترفا * وناره تحرق الأحشاء والكبدا ضاقت مساكنه في الأرض من وجل * فهب له منك لطفا إن لقيك غدا فقلت : يا غلام ، الأمر أسهل مما تظن ! فقال : هذا من فتنة البطالين هبه تجاوز وعفا ، أين آثار الإخلاص والصفاء . انظر ابن الجوزي : صفوة الصفوة 4 / 367 ( 2 ) الآية رقم ( 62 ) من سورة الأنعام