ابن عربي

56

شجون المسجون وفنون المفتون

الصّدّيقون فيما يقوّي فهم خواطر الخير ، ويقطع عنهم خواطر الشّرّ ، لأنّها أزمة القلوب ، وفواتح الأعمال ، إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا « 1 » ، أي اقتدوا بالذّكر ، وهو القرآن ، فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ « 1 » ، فإذا أبصروا نهوا نفوسهم . والطّيف أوّل النّزعة مثلما يعرض منه بالطّيف الّذي هو خيال يرى في النّوم ، لا حقيقة له ينسب إلى المحبوب سوى صورة ما ، فافهم هذا جيّدا . واعلم أنّ اللّمّة من قولهم : ألمّ بمكان كذا : إذا نزل به على غير إقامة ، ولا يقال ذلك لمن مرّ عليه ، فافهم قوله تعالى « 2 » : إِلَّا اللَّمَمَ فليس المراد بالاستثناء أنّهم لا يجتنبون اللّمم ، بل معناه أنّهم يجتنبون الكبائر ، لكن إن نزل « 3 » أحدهم بصغيرة فإنّه لا يقيم عليها ، بل يقلع عنها عاجلا ، فالخاطر الّذي يجرّ إلى حديث النّفس هو لمّة من الشيطان ، إذ هو بمنزلة المنزلة التي لا إقامة فيها ، ولا يقال ذلك على الخاطر الّذي لا يجرّ إلى حديث النّفس ، لأنّ ذلك مرور لا نزول ، فإن نزل فهو إلمام . فإن أقام فهو إغواء ، لأنّه ممدود ، وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ « 4 » ، فقد صار بمنزلة العقائب ، عوقب به صاحبه لربط الخاطر الأوّل ، فليس لعاقل أن يستهين بأوّل خاطر فينقاد له ، فإنّ ذلك يستدرج إلى ذهاب معرفة اللّه من قلبه ، ويبقى رقّا لشياطين شهواته بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ « 5 » . وعلامة ذلك أن يثقل عليه عمل الآخرة وإن خفّ ، ويخفّ عليه عمل الدّنيا [ 17 / ب ] وإن ثقل . والدّنيا عبارة عمّا يفنى فاعرفها ، فمن أحسّ بشيء من ذلك فعليه بالحمية من جميع الخواطر كما يحمى المريض المدنف « 6 » ، وليعد إلى حفظ قلبه وحراسة فكره ليلا ونهارا حتّى يرجع ، يجد هذه الحراسة دأبا له ، نوما ويقظة ، ويتحقّق الشّفاء

--> ( 1 ) سورة الأعراف : 201 . ( 2 ) سورة النجم : 32 . ( 3 ) في م : « زلّ » . ( 4 ) سورة الأعراف : 202 . ( 5 ) سورة سبأ : 41 . ( 6 ) المريض المدنف : الذي لازمه المرض وثقل عليه .