ابن عربي

57

شجون المسجون وفنون المفتون

كما كان يتحقّق ضدّه ، ثمّ يستمرّ حذرا ، فمتى لم يدفع الخاطر بجهد شديد وحراسة دائمة « 1 » كان أشدّ عدوا ، وهذا أفضل جهاد وأبلغه . ومن أراد ذلك فليبتدر « 2 » إلى ثلاث خصال : الأولى : مبادرة كلّ خير يخطر بباله ، فإنّه بمنزلة البذر . والثّانية : منع الشّهوات والإسراف في الأكل والشّرب « 3 » والنّوم . الثّالثة : مجالسة العلم . وأنت إذا اعتمدت على ما أوصيتك به من مراقبة الخاطر ، علمت من هناك جميع ما تحتاج إليه ، واستغنيت عن هذا الكتاب وعن مثله من كلّ وصيّة وعلاج . ومن جرّب رأى وصدّق ، ومن عزّ عليه هذا الأمر فعليه بالذّكر . واعلم أنّ حديث النّفس هو ذكر من فعل الإنسان يطابق الخاطر ، وأنّ في القلب ضروبا من الأذكار ليست بمنزلة حديث النّفس ، بل يحتاج الإنسان أن يتكلّف لها من الحضور ما يشهد به حاله ، فيصدق عند نفسه ، لأنّه يرى الكائنات تذكر معه بذكره ، إذ يرى حاله فيها ، فلا يحسبنّ النّاظر في هذا الكتاب أنّ مجرى الأذكار كلّها مجرى حديث النّفس ، فيشتبه عليه وجه الصّواب فيكون ذاكرا ناسيا . واعلم أنّ كلّ عمل لابدّ أن يتقدّمه علم ، وأنّ باب كلّ علم إنما هو من القلب ، وهو من هذا الخاطر ، وإذ قد فهمت من الجملة المتقدّمة أنّ الخاطر لايعتدّ به ، بل هو يمرّ أبدا ، يحكي شيئا وضدّه وغيره ، حتّى كأنّه يحكي مرور العوالم من الخيرات والشّرور « 4 » ، فمتى ربط الفكر خاطرا ما كان هذا من كسب القلب ، ثمّ صار هذا الخاطر الأوّل المربوط بالاختيار من الرّواتب ، ومن هاهنا إن لم يقطع صار مؤدّيا إلى العقائب فيعاقب

--> ( 1 ) ليس في م . ( 2 ) على حاشية الأصل : « في نسخة : فليبادر » . ( 3 ) في م : « الأكل والشرب » . ( 4 ) في م : « الخير والشّرّ » .