ابن عربي

55

شجون المسجون وفنون المفتون

اعلم أنّ الخواطر « 1 » تعرض على القلب ، وتنجلي بسرعة ، فهمي ممّا يخصّ القلب ممّا هو خارج عن قدرة الإنسان ، فالخاطر هو ما لا يثبت إلّا أن يربطه الإنسان . والرّاتب هو من الرّواتب التي تلزم القلب لزوما راتبا ، لا تكاد تقلع عنه ، والعقائب هي ما تعقب أفعالا من الإنسان . فالخواطر إذا مدّت بالفكر تأدّت إلى الرّواتب ، فإذا امتدّت بالعزم تأدّت إلى العقائب ، فإن أعرض عن الخواطر مرّت كما تمرّ الرّيح ، فلا يكون لها أثر ، فالعقائب قد تحدث على سبيل الجزاء ، لأنّها تحدث بعقب الرّواتب التي تربطها الفكر ، ولقد كانت أوّلا خواطر ، وهذا يعطي وجوب ملازمة القلب ، لأنّه من باب الهدى والضّلال [ 17 / آ ] وصاحب الكسب وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ « 2 » . ولمّا كان ابتداء كلّ شيء إنّما هو من جهة القلب ، وهو من جهة هذا الخاطر المتقلّب الّذي من أجله سمّي القلب قلبا ، وإن انضاف إلى ذلك غيره في سبب التّسمية ، فنقول : إنّ من الخواطر ما يعرض من جهة المزاج مميّلا إلى ما يوافق ، فهذا إذا تمكّن سمّي شهوة ، وضدّه نفرة ، ومنه ما يعرض لنيل رتبة ، فإذا تمكّن سمّي همّة . ومنه ما يعرض باعثا على فعل ، فإذا تمكّن سمّي مشيئة . ومنه ما يعرض باستعجال اللّقاء فإذا تمكّن سمّي شوقا . ومنه ما يعرض بتثبّت حكم ، أو شيء على ما هو عليه . فإذا تمكّن سمّي علما . وإن كان متردّدا سمّي شكّا ، فإن عرض بذكر ما لا حقيقة له على سبيل الثّبات سمّي جهلا . ولجميع الأخلاق والخصال خواطر ، متى تمكّنت سمّيت بأسماء تخصّها . واعلم أن منزلة الخاطر منزلة سماع صوت يقرع سمعك ، ويمرّ ، وتمرّ عنه ، فكما لا يلزمك سماع ما يكون من كذب ، أو محال إثما ، ولا يلحقك في ذلك لوما ، ولو كان ذلك بالعكس ، فإنّه لا يفيدك بمجرّد سماعك إيّاه أجرا ، إذ لم تقصد لشيء من ذلك ، فكذلك الخواطر ، إذا لم تبعثها ببالك ، ولم تعد راتبة ، لا يعقبها شيء ، وإنّما يجتهد

--> ( 1 ) الخاطر - في اصطلاح ابن عربي - هو « ما يرد على القلب والضمير من الخطاب ربانيا كان أو غير رباني ، ولكن من غير إقامة ، فإن أقام فهو حديث نفس » . الفتوحات المكيّة 2 / 132 . ( 2 ) سورة البقرة : 225 .