ابن عربي
48
شجون المسجون وفنون المفتون
وتواعدهم على ما هم بمشيئتهم قد أصبحوا له عاملين . فهم في أفعالهم غير مجبورين ، إلّا ما شاء اللّه فهم عنه غير مؤاخذين ، فآمن بقضائه وقدره جميع المقلّدين من المؤمنين ، واعترف بعدله وفضله سائر العلماء المجتهدين ، فهم أئمّة الدّين ، وورثة النّبيّين ، والمهتدون الهادون بالكتاب المبين ، فبيّنوا للنّاس [ 15 / ب ] ما به يعملون ، إذا هم - ما داموا في الدّنيا - ممتحنون . فأصحاب المشأمة بالخيرات الفانية مختبرون ، وهم بها مستدرجون من حيث لا يعلمون « 1 » ، وبالشّرور الدّانية يفتنون ، لعلّهم يتوبون ويتذكّرون ، قال تعالى في حقّ هؤلاء « 2 » : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ . وأما أصحاب اليمين فإنّهم مفتونون بالخيرات ليرغبوا في الأعمال الصّالحات ، وممتحنون بالشّرور المختلفات لتكفير السّيّئات ، وفي حقّ هؤلاء قال تعالى « 3 » : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ . وأمّا المقرّبون فإنّهم مفتونون بالخيرات ليكونوا من الشّاكرين ، وبالشّرور ليعودوا « 4 » من الصّابرين . وفي حقّ هؤلاء قال تعالى « 5 » : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ . فشرور أصحاب الشّمال نقم « 6 » وتنقيص ، وشرور أصحاب اليمين تكفير وتمحيص « 7 » ، وشرور السّابقين نعم وتخليص ، وخيرات أصحاب الشّمال حجاب
--> ( 1 ) اقتباس من قوله تعالى في سورة القلم 44 : فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ . ( 2 ) سورة السجدة : 21 . ( 3 ) سورة البقرة : 155 ( 4 ) في م : « ليكونوا » . ( 5 ) سورة محمّد : 31 . ( 6 ) نقم ، واحدها نقمة : اسم من الانتقام ، والعقوبة . ( 7 ) التكفير : المحو والغفران . والتمحيص : الابتلاء والاختبار .