ابن عربي

156

شجون المسجون وفنون المفتون

بعيد عن حقائقها أيّ بعد ، وإنّما لولا هذه [ 38 / ب ] العبارات لتاه العقل وانقطع لأنّه في أسر الزّمان ، وما لم يخلع صورته لا يخرج من ذلك الأسر ، فجاءت الأنبياء بما هو فوق طوره ، فكأنّه إن تبعهم قد خلع صورته في بعض الأمر ، وخرج من الأسر ، ولا يتمّ له ذلك إلا بالإيمان بالغيب ، وهذا هو المراد ، لأنّ شجرة المعرفة هي التي أكل منها آدم ، وذلك أنّه مال إلى العقل عن الشّرع ، والذي أغواه بها هواه أكل منها قبله ، إذ خالف الأمر بما ظنّ أنّه حقّ في العقل ، فافهمه جيدا . واعلم أنّه لمّا كانت المعاني جواهر ، والألفاظ أصدافها ، والحكم معادن ، والقلوب أهدافها ، وجب على كلّ من فتحت اليقظة عين بصيرته ، وجلت الموعظة عين سريرته ، أن يتبع من الكلام معانيه ، ومن الحكم ما يبلغ به أمانيه ، ولا يقنع من المعدن بدون كنزه ، ولا من لفظ إلا بفهم رمزه . وجود وإشارة وغاية : كما أنّ السّراج يتبدّل في كلّ طرفة عين لأنّه قائم بالمادة ، وكلّ ذرّة منه غير الأخرى ، فكذلك يتبدّل الموجود ، وغير العارف يظنّ أنّه هو ، والنّاظرون بعين العقل ، يرون للموجودات في ذواتها ترتيبا ، ويرون بعضها أقرب إلى بعض إلى الأوّل ، وهو واحد ، والموجودات منه كثيرة . وأمّا النّاظرون بعين المعرفة ، فلا يرون للموجودات ترتيبا أصلا ، ولا يرون بعضها أقرب إليه من البعض ، بل يرون هويّته مع كلّ موجود مساوقة له حسب مساوقته للوجود الأوّل في نظر العلماء من غير فرق ، وهذا لأنّ العلماء جاؤوا من خارج ، ومن أسفل ، والعارفين « 1 » من داخل ومن فوق « 2 » ، فاجعل العلوم بذرا ثمراتها المعارف ، فالمعارف من العلوم كالمعاني من الألفاظ ، فمتى صارت العبارات إشارات ، فهذا باب

--> ( 1 ) في م : « والعارفون جاؤوا . . . » . ( 2 ) في م : « أعلى » .