ابن عربي
153
شجون المسجون وفنون المفتون
المألوف عندنا ، المبنيّ عن ذات مبدعة عاجزة ، ولولا قوله لنا عنه تبارك وتعالى لما جاز لنا ذلك ، بل تعالى عن قولنا تعالى ، فاعلم أنّه تنمحق قوى العقول دون الوصول إلى إدراك أثر من آثار مبدعها « 1 » ، وكيف لا وعلمه الأوّل كان موجودا قبل الزّمان كما هو الآن ، لكنّها تدرك عجزها عن ذلك كما يدرك الوهم عجزه عن إدراك حقيقة موجود لا يكون داخل العالم ، ولا خارجا عنه ، ولا متّصلا به ، ولا منفصلا عنه ، ولا يمكن أن يعبر عن حقيقة العلم الأزليّ إلا بهذه العبارة ، ولذاك تتشوّش العقول دون إدراك ذلك ، فهذا معتقد قوم اعتقدوا بضع سنين في العلم القديم ما يعتقده الضّلال حتّى هدوا فضلا من الله ، والله تعالى يزيدهم معرفة بعجز عقولهم ، فمن طمع أن يحيط علمه وعقله بحقيقة علم كان موجودا قبل الكون ، وقبل القبل ، فقد طلب بيض الأنوق « 2 » ، وقد طمع في تناول العيّوق ، وانخلع بالحقيقة عن غريزة العقل ، وبالحري أن يعدّ أمثاله من المجانين . فعقولنا أعجز عن إدراك العلم الأزليّ من النّمل ، بل من الجماد عن إدراك علمنا بدرجات كثيرة ، ونسبة علمه إلى علمنا كنسبة قدرته إلى قدرتنا التي هي بالحقيقة عاجزة عن إبداع شيء من الأشياء « 3 » ، فضلا عن إبداع السّموات والأرض من لا شيء . ولمّا كان العقل يدرك الفرق بين القدرتين ، ولا يدرك الفرق بين العلمين من أوّل وهلة تاه « 4 » في الحكم ووقع في هذه الأغلوطة ، فسبحان من أرسل محمدا صلّى اللّه عليه وسلم ، وقال عزّ وجلّ « 5 » : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ ، فهذه إشارة صريحة إلى علمه بالجزيئات ، منبّهة بأنّ كلّ موجود له نسبة ما إلى وجهه سبحانه وتعالى ، ولولا تلك النسبة لما وجد « 6 » ، فكلّ شيء يعانيه لأنّ وجهه إليه ، فافهم .
--> ( 1 ) في م : « مبدعاته » . ( 2 ) أي طلب المستحيل . ( 3 ) في م : « من لا شيء » . ( 4 ) زاد في م : « تاه العقل » . ( 5 ) سورة البقرة : 115 . ( 6 ) في م : « لما كان وجد » .