ابن عربي
141
شجون المسجون وفنون المفتون
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم وصلّى اللّه على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم سبحان من أوجد من العدم موجودا باقيا ، وأبدع له عالما يعبر فيه فانيا ، لينقله منه إلى عالم البقاء ثانيا ، وجعله من أوّل الإبداع مترقيّا في العالمين دائما ساريا ، وزيّنه بالعقل فصار به مهديا وهاديا ، وجعل له الحواسّ الخمس مؤدّية إلى النّفس ، فعاد بها الخفيّ عنه « 1 » باديا ، وضرب له بكلّ أمثالا ، فجعل الكتاب العزيز أقوالا ، والمبين أفعالا ، ليظهر له بهما ما كان عنه خافيا ، وجعل هذا العالم الأوّل المدركة معشوقاته مثلا متفانيا ، وصيّر معشوقات العالم الثاني مثلا أعلى مضاهيا ، فهناك أمثال معشوقات « 2 » هي لطائف أشبهتها هنا معشوقات « 2 » كثائف ، فصار هذا لذاك محاذيا ، ومن لدن الأول سبحانه فيض مشهود في ظلّ مبدعاته قد أصبح جاريا ، حجب به المترقّي بمراقي الأذكار في سلّم الأفكار فانقلب إليه البصر خاسيا ، وجذب به كليم الأسرار إلى نور الأنوار ، فلما قال : ارق خرّ صعقا متلاشيا ، فسبحان من احتجب بمعشوقات العالمين ، وجعلها أمثالا وصيّر كلا إليه داعيا ، وتعالى في غيبه ، وتفرّد بالوحدانيّة فهو على صراط مستقيم هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ ، وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ « 3 » ، سبحانه وتعالى عاليا ، وصلّى اللّه على الرّسول المعظّم محمّد ، الحبيب المكرّم صلاة دائمة وسلاما وافيا . أصل : لا يجوز على الأوّل تعالى لفظ البسيط ، ولا الانحصار في مثله ، لأنّ ذلك إنّما ظهر بالوجود ، واللّه تعالى قبل الوجود ، وقبل البسيط ، فهو الواجب بضرورة العقل لزوما .
--> ( 1 ) في م : « عنه بها » . ( 2 - 2 ) سقط في م . ( 3 ) سورة الحديد : 3 .