ابن عربي
114
شجون المسجون وفنون المفتون
وحجّة الرّحمن ، فنسب القبائح كلّها إليه ، وأحال فعل الطّاعات عليه ، فلزمه أن يكون الباريء تعالى محتاجا إلى المخلوقات ، لأنّها مظاهره في استحالة دائمة ، يخلع صورة ويلبس أخرى ، ولو فكّر هذا البشر فيما له خطر ، لعلم أنّ هذا أيضا موطن من مواطن النّفس ، أداّه إليه النّظر ، فتنحّى حينئذ عن الخطر . وما غلق عنه باب الصّواب ، إلّا لعدم فهم الكتاب ، فظنّ أنّه وصل إلى التّوحيد ، فأطلق نفسه فيما يريد ، وكلّما قاده هواه ، قال : هذا مراد الله ، وهل من فاعل سواه ، فأصبح عطلا أعوجا لا يستوي ، وغفلا جاهلا لا يرعوي ، واعتقد أنّ الجميع من باب القسميّات « 1 » والمواهب ، فترك المكاسب ، وخرج عن الواجب . وله بعد هذا المقام غلطات وأوهام . ولقد أعذر من أنذر « 2 » ، بقوله تعالى « 3 » : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ، وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى ، فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا « 4 » . نبأ عجيب ووعظ غريب : المحصور في سجن رغباته ، إذا مات في السّجن ، سجن فيها بعد الموت أبدا بصورة العطشان الّذي كلّما عطش شرب ، وكلّما شرب عطش ، فاستمرّ أبدا في سجنه سرمدا ، وإنّما كان في الآخرة كذلك لأنّه إنّما كان في الدّنيا قد يثنيه عن استمرار تناوله من تلك الشّهور ضعف للآلة ، كمن توجعه أسنانه من المضغ من وجود الشّهوة ، فلو فرضنا أنّ الآلة لا تكلّ لما تصور النّزوع ، فكيف والآلة تزداد قوّة وضعفا ، فالقاطعون الشّهوات في الدّنيا يستمرّون في الآخرة بمثل هذه الآلة لا تكلّ . فهم الخارجون من كلّ سجن ، والدّاخلون في كلّ أمن ، فهذا حالهم أبدا ، ولهم ملكة التّرقّي سرمدا .
--> ( 1 ) في م : « القسيمات » . ( 2 ) أمثال أبي عبيد 226 ، جمهرة الأمثال 1 / 10 ، فصل المقال 325 ، مجمع الأمثال 2 ، 29 ، المستقصى 1 / 240 ، اللسان ( عذر ) . ( 3 ) سورة الإسراء : 85 . ( 4 ) سورة الإسراء : 72 .