ابن عربي

113

شجون المسجون وفنون المفتون

باطل وفي حق ، تجلّت لها ذاتها ، وقد تجلّت بصفاتها ، فخاطبها معناها كأنّه سوّاها ، فظهرت في صورة جسمانيّة كثيفة ، أو معان روحانيّة لطيفة ، فتراها في منامها ، وتخاطبها في أحلامها بأنواع الغرائب ، وتخبرها عن الغائب ، وإذا قويت عوائدها ، وأثمرت فوائدها ، سمعت تلك المخاطبات يقظة من الصّور الإنسانيّة وغيرها جهرة ، فتارة يناطقها غيرها من النّاس بما تفهم ، والمناطق لها لا يعلم ، كما أخبر المستيقظ العالم ، إذا سأل فأجابه النّائم . وتارة يخاطبها المستيقظ لأمر له عرض ، فتفهم من خطابه مالها فيه الغرض ، كما نبّه على ضيعة العمر أرباب القلوب . ثلاج : ينادى : ارحموا من رأس ماله يذوب ، فاضطربوا وصاحوا وتباكوا وراحوا « 1 » . وتارة يخاطبها الطّفل الصّغير بخطاب العاقل الكبير ، كما أخبر من عاهد ونكث ، أنّ الطّفل أكذبه ، وفي وجهه نفث ، فكان يسأله عن ذلك ويلاعبه ، والطّفل لا يلوي عليه ولا يقاربه . وتارة يخاطبها بعض أولي العقول وهو غافل ، فلا يدري ما يقول كما أخبر السّائل عقيب قول القائل ، لما ذا لفظت ؟ وما ذا أردت ؟ فأجاب تالله إنّي غيّبت « 2 » الآن عنّي ، فلم أعلم أني نطقت ، حتّى أذكرتني ذلك فأفقت ، لكنّي لا أعلم بحالي ، ولم أدر لما ذا كان مقالي . وتارة يخاطبها العالم العارف ، فيكون لها كالمكاشف . وتارة تتخلّى عن الظّواهر ، فتتجلّى « 3 » في السّرائر ، فيشاهدها الرّجل الحاضر ، ويكلّمها بها على الخاطر ، وهذا هو نصيبها الوافر ، وبحرها الزّاخر ، وهي في سائر هذه الأحوال المذكورة ، والأقوال المسطورة ، تناجي إيّاها وتناطقها في سواها ، وذلك من أعجب العجائب ، أن يكون المجيب هو المجاب وهاهنا ظنّ أنّ الملحد هو الموحّد ، ولمّا لم ير شيئا سواه ، وأعماه هواه ، وظنّ أنّه الله ، فأبطل فضيلة الإنسان [ 29 / ب ] والقرآن ،

--> ( 1 ) في م : « وأراحوا » . ( 2 ) في م : « غبت » . ( 3 ) في م : « فتجلّى » .