ابن عربي

43

ديوان ابن عربي

وقال أيضا في قوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ « 1 » : إنّ الغمام مطارح الأنوار * ولذاك أضحى أقرب الأستار منه تفجرت العلوم على النهى * وبه يكون الكشف للأبصار « 2 » فيه البروق وليس يذهب ضوءها * أبصارنا لتقدس الأبصار فيه الرعود وليس يذهب صوتها * أسماعنا لتنزّه الأسرار فيه الصواعق ليس يذهب رسمنا * إحراقها لعناية الآثار فيه الغيوم وليس يهلك سيلها * أشجارنا لتحقق الإيثار ما بعده شيء سوى مطلوبنا * ربّ الأنام مع اسمه الغفّار فإذا انجلى ذاك الغمام فذاته * تبدو إلى الأنوار في الأنوار والنور يدرج مثله في ضوئه * كالشمس لا تفني ضياء النار فترى البصائر والعيون جلاله * وجماله في الشمس والأقمار فافهم إشارتنا تفز بحقائق * تخفى على العقلاء والنظّار وقال أيضا في باب السبحات الوجهية : إذا بدت سبحات الوجه فاستتر * فالنور يذهب بالأعيان والأثر « 3 » وانظر إلى من وراء النور مستترا * ترى الضياء فأمعن فيه بالبصر وقل لقلبك أمسك عنه شاهده * فعند ردّك تلقى لذة النظر وقال أيضا في باب التلوين في الدور الفلكي : هذي المنازل والفؤاد الساري * فيها بحكم تصرّف الأقدار « 4 » دارت به الأفلاك في فسحاتها * والكون في الأدوار بالأكوار فإذا تحل بمنزل تهفو له * شوقا إليه مطارح الأنوار فيمدّها بالفيض في غسق الدّجى * حتى يشمّر عسكر الأسحار « 5 » للانتقال من البسيطة قاصدا * جهة اليمين ومغرب الأسرار ويحل إدريس العليّ ببوحه * في أثر ذاك العسكر الجرار

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية : 210 . ( 2 ) النهى : العقل . الكشف ، يريد به الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الحقيقية وجودا وشهودا . ( 3 ) الوجه : وجه الحق ، إشارة إلى الآية فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ . النور ، يريد الحق أيضا . ( 4 ) الساري : الذي يسير ليلا . ( 5 ) الدجى : الظلام .