ابن عربي

90

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

شبهه بالقمر وهي حالة بين البدر والهلال فهو مشهد برزخي مثالي صوري بضبطه الخيال والشفق هنا الحمرة من أجل الخفر الذي هو في الحياء ، والحياء يعطي الحمرة في الخدود واللّه حي ، كما أخبر عليه السلام ولما كانت حمرة الخفر في الوجه لذلك ذكر الخدود دون غيره . وقوله : لاح لنا منتقبا ، الإشارة إلى ما أشار عليه السلام بالحجب الإلهية النورانية الظلمانية وسيأتي في البيت الثاني معنى ما ذكرناه ، ثم قال : لو أنه يسفر عن برقعه * كان عذابا فلهذا احتجبا « 1 » الإشارة بالأسفار والعذاب والحجاب ، للإشارة إلى قوله عليه السلام : « إن للّه سبعين ألف حجاب من نور وظلمة لو كشفها أحرقت سبحات وجهه » « 2 » . ما أدركه بصره وهو مشهد عظيم نزيه لا يبقى أثرا ولا عينا ولا كونا فما احتجب إلا رحمة بنا لبقاء أعياننا فإنه في بقاء عين الكون ظهور الحضرة الإلهية وأسماؤها الحسنى وهو جمال الكون فلو ذهب لم تعلم ، فبالرسوم والجسوم انتشرت العلوم وتميزت الفهوم وظهر الاسم الحي القيوم ، فسبحان من أرسل رحمته عامة على خلقه وكونه لشهود صفته وعينه . شمس ضحى في ذلك طالعة * غصن نقا في روضة قد نصبا قوله : شمس ضحى يريد وضوح التجلي عند الرؤية ، والفلك عبارة عن الصورة التي يقع بها التجلي وهي تختلف باختلاف المعتقدات والمعارف ، وهي حضرة التبدل والتحول في الصور وهذه القوة الإلهية والصفة الربانية تظهر أعلامها لأهل الجنان في سوق الجنة الذي لا بيع فيه ولا شراء وقد يصل إلى هذا المقام هنا بعض العارفين كقضيب البان وغيره في الصورة الحسية ، وأما في الصورة الباطنة فهي أحوال الخلق كافة ، وأراد بطلوعها ظهورها لعين المشاهد وقوله : غصن نقا فهي الصفة القيومية ، في روضة يريد روضة الأسماء الإلهية لا روضة العلوم . وقوله : قد نصبا ، إشارة إلى التخلق بهذه الصفة خلافا لابن جنيد وغيره ممن يمنع التخلق بها ، وأجمعنا على التحقق إلّا أني أمنع إدراك التحقق بالشيء إذا امتنع التخلق به ، إذ التخلق بالشيء هو الدليل الموصل إلى التحقق به ، وما لا يتخلق به فلا يتحقق أصلا ، إذ لا ذوق يدركه لكن قد نعلم علم علامة أو إشارة لا علم ذوق وحال ، وقوله : قد نصبا ، كأنه يفهم منه أنّ نصبه أثر فيه وليس كذلك ، وإنما كشفنا هذا الرأي له في هذه الروضة بعد أن لم يكن له كاشفا هو نصب في حقه ، كما قال تعالى : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ [ الأنبياء : 2 ] يعني عندهم لا في نفس الأمر ، كما يحدث الآن خبر عندنا من الملك ، وكان قد تكلم

--> ( 1 ) البرقع : غطاء للوجه يكون للدواب ولنساء الأعراب ( ج ) براقع . ( 2 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 2 / 72 ، 5 / 137 ) ، والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 1 / 101 ) ، والشوكاني في ( الفوائد المجموعة 450 ) .