ابن عربي

91

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

به منذ شهر مثلا فحدوثه الآن عندنا لا في نفس الأمر . ظلت لها من حذر مرتعبا * والغصن أسقيه سماء صيّبا يقول : لما كانت عزيزة المنال ، لا تتقيد بالمثال ، خفت من الحجاب بالمثال من الالتفات الغرضي النفسي ، فصرت أشهدها في كل شيء وقبل كل شيء من حيث تعلق ذلك الشيء بها في ثبوته قبل وجوده لا من حيث هي مجردة عن تعلق التشبيه بها ، ومن كونها غصنا أسقيه سماء يريد مطرا وغيثا إشارة إلى ما تكون به الحياة العرفانية ، وصيبا نازلا من أعلى ، يشير إلى أنه يأخذ من العلو منّة وفضلا لا كسبا وتعملا ، ويسقيه ليثمر عنه ما تعطيه قوته من المعارف المحمولة فيه . إن طلعت كانت لعيني عجبا * أو غربت كانت لحيني سببا « 1 » إن طلعت كانت لعيني متعلق بطلعت ، والعجب الذي يقع منه حيث أدرك الخسيس على خساسته النفيس على نفاسته ، ولكن يسهل هذا الأمر عند من وقف عند قوله عليه السلام : « كنت سمعه وبصره » فما أدركه سواه ولا سمع كلامه غيره ، قال تعالى : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 21 ) [ الأنفال : 21 ] ، ولما غاب هذا القائل عن هذا المشهد ، لذلك ذكر هذا ، وقد يريد بقوله : فإن كنت في شك وهي لا تطلع فلا يكون عجبا وقوله : أو غربت كانت لحيني سببا ، ينبه على صفة عشيقة يموت للفقد شوقا ، كما ذكره المحبون في كلامهم . مذ عقد الحسن على مفرقها * تاجا من التّبر عشقت الذّهبا الحسن مشهد عيني في مقام الفرق « 2 » التي تميز فيها العبد من الرب ، وهو الفرق الثاني المطلوب ، وهو أعلى عند المحققين العارفين باللّه من المقام في عين الجمع ، فإنّ الجمع على الحقيقة إذن بالتفرقة ، فإنه يؤذن بالكثرة ، ولا كثرة في العين ، فهو راجع إلى جمعك به عند أخذك منك ، وقوله : تاجا ، زينة إلهية خارجة عن مقام الاستواء ، والذهب صفة كمال لكمال مراتب المقامات ، فإنّ الذهب حاز صفة كمال الاعتدال ، وهو أشرف المعادن ، وجعله تبرا « 3 » ، أي لم تدنسه أيدي الكون بالتخليص ، فإنه في تبره أشرف في حقنا ، لأنّ ظهوره لنا بنا هو الذي يصح ويوجد ، وأما ظهوره لنا به فلا يصح ، فالطمع في غير مطمع جهل ، وجعله عشقا من العشقة للعلاقة التي بين العبد والرب في الدقيقة التي ينزل فيها إلى قلبه بالمعرفة .

--> ( 1 ) في نسخة أخرى : سبا . ( 2 ) لفظ الجمع مأخوذ من جمع الهمة على الحق تعالى ، ولفظ الفرق مأخوذ من تفرقتها في الكائنات مع الحق ، والجامع والمفرق في الحقيقة هو اللّه تعالى . ( للتوسع أنظر الرسالة القشيرية ص 64 - 67 ) . ( 3 ) التبر : فتات الذهب أو الفضة قبل أن يصاغا فإذا صيغا فهما ذهب وفضة .