ابن عربي
87
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
أخذ ينبه على شرح المقام الأول أنّ التجلي إنما كان في الحجاب الممثل فقال : قالت : نعم ، قد كان ذاك الملتقى * في ظلّ أفناني بأخصب موضع إذ كان برقي من بروق مباسم * واليوم برقي لمع هذا اليرمع يقول : قد قالت له هذه الصفة التي تجلت له : صدقت قد كان ذاك الملتقى مع المحبين من أمثالك وأشباهك في ظلّ أفناني ، أي في رحمة عواطفي ، بأكثر علم نافع بمقام تشبيه ، وإن كان قدسيّا ، إذ كان برقي يقول : إذا كان التجلي مني في صورة مثالية حسنة جميلة من مقام الابتهاج والسرور بظهور المباسم التي عنها ظهر هذا التجلي فهو سبحاتها دائما معك ، فالتجلي في صورة جمادية فإنّ اليرمع حجارة براقة ، وهي في العادة غير معشوقة ، يقول : فتجلت لك في مقام لا يتقيد بالمحبة والعشق لأنه لا صورة له . فاعتب زمانا ما لنا من حيلة * في دفعه ما ذنب منزل لعلع يقول : لا عتب إلا على الزمان ، يعني الحركات الفلكية الجارية بفراق الأحباب ، يشير إلى قوله تعالى : وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ [ الحج : 5 ] ، وهو الهرم الكائن عن مرور الأزمان ، لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ، وهو فراق الأحبة ، أي أنّ المعارف محبوبة له وقد حال بينه وبينها كرور الأدوار فلا ذنب للمحل وإنما هو الذي أخلقه بعد جدته . فعذرتها لما سمعت كلامها * تشكو كما أشكو بقلب موجع يريد قوله تعالى على لسان نبيه : « ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ولا بد له من لقائي » « 1 » يريد أنّ ما سبق بكونه العلم ، ولا بد من كونه فتفطن لما أشرنا ولنا في هذا المعنى : يحن الحبيب إلى رؤيتي * وإني إليه أشدّ حنينا وتهوى النفوس ويأبى القضا * فأشكو الأنين ويشكو الأنينا وسألتها لما رأيت ربوعها * مسرى الرياح الذاريات الأربع « 2 » يقول : وسألتها لما رأيت ربوعها ، يعني المحل ، تخترقه الأهواء الأربعة الجنوب والشمال والصّبا والدّبور ، ويشير إلى ما يأتيه من الأهواء من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ، يريد عالم الأنفاس والأرواح التي تنسمت من هذه الجهات
--> ( 1 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 5 / 295 ، 9 / 610 ) ، والشوكاني في ( الفوائد المجموعة 264 ) . ( 2 ) الذاريات : ( ج ) الذارية : الريح .