ابن عربي

86

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

قال : فأعجبني وقفوت معناه ، فعملت أبياتا في هذا الروي « 1 » وضمنتها هذا البيت بكماله إجابة لذلك الفقير رحمه اللّه فقلت : قف بالطّلول الدّارسات بلعلع * واندب أحبتنا بذاك البلقع الطلول : أثر منازل الأسماء الإلهية بقلوب العارفين هنا ، والدارسات المتغيرة بالأحوال لانتقالها من حال إلى حال بسبب تولعها ، وأندب يقول : وابك أحبتنا ، يعني الأسماء الإلهية بذلك البلقع ، يعني قلبه المنعوت بالتجريد وإفراغها من السكان الذين كانوا عمروها ، وهي الخواطر الإلهية والملكية خاصة . قف بالدّيار وناجها متعجّبا * منها بحسن تلطّف بتفجّع يشير بالديار إلى المقامات ، وقوله : نادها متعجبا لعدم النازل فيها مع ما يراه من حسنها وبهائها وقوله : بحسن تلطف يتفجع ، يقول : يستنزلها فيها مع مقام اللطف بحال المكلف بها الحزن لها لما هي عليه من عدم النازل ، ثم أخذ يذكر ما قال لها : عهدي بمثلي عند بأنك قاطفا * ثمر الخدود وورد روض أينع يقول : كم شهدت من محب مشتاق بروضك ، يقطف من ثمار معارف القيومية ، يعني التخلق بها ، فإنّ أصحابنا اختلفوا في التخلق بالقيومية ، ومذهبنا التخلق بها ، ومذهب ابن جنيد القبر كفني وأتباعه لا يصح التخلق بها ، وقوله : وورد روض أينع ، ما تحمله الوجنات من الحمرة يشير إلى مقام الحياء ، وقوله : أينع يريد أنه نتيجة مراقبة ومشاهدة طرا بطروها ، كما قال الجناب الإلهي : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ [ الأنبياء : 2 ] ، أي عندنا لطروه في وقت نزوله ، وإن كان قبل ذلك موجودا لكن ليس عندنا ، ثم ذكر البيت الذي ضمنه في هذه القصيدة : كلّ الذي يرجو نوالك أمطروا * ما كان برقك خلبا إلّا معي يقول : كل من طلب منك أمرا ناله غيري ، وذلك لعدم العناية ، وفيه أيضا إشارة في حق نفسه إلى مقام عال ناله لم ينله أحد غيره من أمثاله ، لأن البرق مشهد ذاتي ، فإذا أمطر فهو ما يحصل في قلب المشاهد من المعارف التي تثمر ، فنبه على أنه مشهد ذاتي في حجاب ممثل ، كما قال في حق جبريل عليه السلام : فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا [ مريم : 17 ] ، فأفادها عيسى بهذا التمثل ، كما أفادها ولاء بالمطر في المشهد البرقي فنون المعارف إلّا أنا ، يقول : فإن برقك خلب ، أي ليس يتحصل من هذا المشهد الذاتي علم في نفس المشاهد ، لأنه تجلى في غير صورة مادية ، فلم يكن للخيال ما يضبطه به ، فلم يكن للعقل ما يعقله ، إذ لا يدخل تحت كيف ولا كم ولا حال ولا نعت ولا وصف ، لكنه في المقام الأول أليق بالعاشق ، والمقام الثاني أتم للعارف ، ثم

--> ( 1 ) الروي في الشعر : حرف القافية الذي تبنى عليه القصيدة .