ابن عربي

69

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

سنان يشير إلى حالة أثره فيه على القرب وهي حالة الاشتياق ، فهو يقول : سواء بعد الحبيب أو قرب فإن أثره فيّ لازم ، وأمره فيّ متحكم ، ونفي السهام والسنان المحسوسين ، أي : أنا مقتول من مشهد الغيب والملكوت ، لا من جهة الجوارح أي اللحاظ الفاتكة فهي معنوية . ثم أخذ يستفهم صاحبيه فقال : عرّفاني إذا بكيت لديها * تسعداني على البكا تسعداني يقول لهما : إذا بكيت عندها هل تتباكيان معي لبكائي مساعدة أم لا ، أي : تعلماني من علوم المشاهدة التي عندكما ما يليق بهذا الموطن ، فإن البكاء من العيون ، وهي دموع حارة ، لأنها عن حزن فتكون علوم مجاهدة . وأذكرا لي حديث هند ولبنى * وسليمى ، وزينب ، وعنان يقول لهما : علّلاني بذكر أمثالي وأشباهي ، ولكن بذكر المحبوبات منهم لا بذكر المحبين لهن إيثارا لذكرها على ذكري وراحة لي بسماع ذكر من يناسبها ، ولهؤلاء المذكورين من المحبوبات حكايات ، وطول ذكرها لا يسع هذا الشرح لها ، وقد أفرد الناس لها أماكن في كتب الآداب في حكايات هند صاحبة بشر ، ولبنى صاحبة قيس بن الدّريج « 1 » ، وعنان جارية الناطقي ، وزينب من صواحب عمر بن أبي ربيعة « 2 » ، وسليمى جارية في زماننا رأيناها وكان لها محب يهواها . والإشارة بهند إلى مهبط آدم عليه السلام وما يختص بذلك الموطن من الأسرار ، ولبنى : إشارة إلى اللبانة وهي الحاجة ، وسليمى : حكمة سليمانية بلقيسية ، وعنان : علم أحكام الأمور السياسيات ، وزينب : انتقال من مقام ولاية « 3 » إلى مقام نبوة « 4 » .

--> ( 1 ) هو قيس بن ذريح بن سنة بن حذافة الكناني ( توفي 68 ه - 688 م ) شاعر من العشاق المتيمين . اشتهر بحب « لبنى » بنت الحباب الكعبية ، وهو من شعراء العصر الأموي ، ومن سكان المدينة . كان رضيعا للحسين بن علي بن أبي طالب . وأخباره مع لبنى كثيرة جدا ، وشعره عالي الطبقة في التشبيب ووصف الشوق والحنين بعضه مجموع في ديوان . الأعلام 5 / 205 - 206 ، والأغاني 8 / 107 - 128 ، وفوات الوفيات 2 / 134 ، والنجوم الزاهرة 1 / 182 . ( 2 ) هو عمر بن عبد اللّه بن أبي ربيعة المخزومي القرشي ( 23 - 93 ه - 644 - 712 م ) أبو الخطاب ، أرق شعراء عصره ، ولد في الليلة التي توفي بها عمر بن الخطاب فسمي باسمه « وكان يفد على عبد الملك بن مروان فيكرمه ويقربه ، نفي إلى « دهلك » ثم غزا في البحر فاحترقت السفينة به وبمن معه فمات فيها غرقا . له « ديوان شعر » وكتب في سيرته . الأعلام 5 / 52 ، ووفيات الأعيان 1 / 353 ، 378 ، والأغاني طبعة الدار 1 / 61 ، والشعر والشعراء ص 216 . ( 3 ) انظر الفتوحات المكية 3 / 445 ( مقام الولاية وأسرارها ) . ( 4 ) انظر الفتوحات المكية 3 / 456 ( مقام النبوة وأسرارها ) .