ابن عربي

70

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

والإشارة إلى من كمل من النفوس التي استحقت الأنوثة بحكم الأصالة فإذا كملت لم يبق بينها وبين الرجال إلا درجة الفضل ، ووقع التساوي في درجة الكمال من حيث ما هو كمال ، لا من حيث كمال ما ، كما يقول : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [ البقرة : 253 ] ، فمن حيث ما هي رسالة ، فلا فضل ، إذ الاسم يعم هذه الحالة ، ومن حيث ما هي رسالة بأمر ما ، وقع التفاضل . ثمّ زيدا من حاجر وزرود * خبرا عن مراتع الغزلان ثم أخذ يطلب منهما بعد ذكر هؤلاء الأشخاص بطريق الإشارة والتنبيه للأماكن التي تعمرها هذه الحكم المطلوبة بهذا العاشق ، فقال : زيدا لي في حديثكما ذكر حاجر ، وهي الأسباب المانعة عن إدراك أي مطلوب كان ما حاجره أي مانعه . وزرود : ضرب من البين ، لكن فيه مجاورة من غير ألفة ، فإنّ زرود رملة ، والرمل يتجاور ولا يلتفّ ، ولكن مع هذا في هذه الأماكن مرعى لهؤلاء الغزلان التي هي العلوم الشوارد التي لا تنضبط ولا يتصور بها ، فكأنه يطلب الحالات التي تحسنها . واندباني بشعر قيس وليلى * وبميّ والمبتلى غيلان يقول : واندباني بشعر المحبين مثلي في عالم الحس والشهادة كقيس وهو الشدة وقلم الإيجاد فنبه بقيس عليها ، فإن القيس : الشدة في اللغة ، والقيس أيضا : الذكر ، وليلى : من الليل ، وهو زمان المعراج والإسراء ، والتنزلات الإلهية من العرش الرحماني بالألطاف الخفية إلى السماء الأقرب من القلب الأشوق ، وبميّ : وهي الخرقاء التي لا تحسن العمل ، ومن لم يحسن العمل كان العامل غيره وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ( 96 ) [ الصافات : 96 ] أي ما يظهر على أيديكم من الأعمال التي هي مخلوقة للّه تعالى . وغيلان « 1 » : هو ذو الرمة ، والرمة الحبل العتيق . والحبل السبب الذي طولبنا بالاستمساك به والاعتصام ، ونسبته إلى القديم أمر محقق ، فإنه حبل اللّه وهو القديم الأزلي . وذكر الغيلان : وهو شجر مشوك يتعلق بمن قرب منه ، ويمسكه أن يزول عنه حبا فيه وإيثارا ، وفيه من الراحة كون هذا الشجر مختص بالفيافي التي لا نبات فيها ، المهلكة بقوة رمضائها وحرها ، فليس فيها ظل لسالك إلا هذه الشجرات ، شجرات أم غيلان ، فيجدها في ذلك المقام رحمة فيلقي عليها بثوبه ويستظل فتمسكه بشوكها عن أن تمر به الرياح فينكشف لحر الشمس ، فكذلك ما يجده من الألفاط الخفية الإلهية من

--> ( 1 ) هو غيلان بن عقبة بن نهيس بن مسعود العدوي ( 77 - 117 ه - 696 - 735 م ) من مضر ، أبو الحارث ، ذو الرمة ، شاعر من فحول الطبقة الثانية في عصره . أكثر شعره تشبيب وبكاء أطلال يذهب في ذلك مذهب الجاهليين ، وكان مقيما في البادية ، وامتاز بإجادة التشبيه ، عشق « مية » المنقرية واشتهر بها ، له ديوان شعر . الأعلام 5 / 124 ، ووفيات الأعيان 1 / 404 ، والشعر والشعراء ص 206 .