ابن عربي

68

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

كأن قائلا قال له : إنّ هذا المحل الذي جعلته مرعى لغزالك ناري ، فقلنا له : ما عليه من ذلك ، فإنّ النور أقوى في الفعل منه ، وهذه الموارد نورانية توردت من حضرة النور فلا شك أن النار الطبيعية التي بين أضلع هذا المحب لا تقوى لها ، ولا تنعدم ، فإنّ المحبة تشعلها وتقويها ، فغاية الأمر أن تخمد ، يريد أنه لا أثر لها فيه ، ألا ترى في الحسن كيف يذهب نور الشمس نور النار في رأي العين ، وإن كنا نعلم أنّ لها نورا ولكن اندرج الأضعف في الأقوى في أعيننا فنراها كأنها خامدة وفي نفس الأمر على ما هي عليه من الاشتعال . [ وصف حالة تحكم الحب فيه لسلطانه ] يا خليليّ عرّجا بعناني * لأرى رسم دارها بعياني يخاطب داعييه اللذين للحق فيه من عالم غيبه وشهادته . يقول لهما : اثنيا بعناني ، يريد الأمر الذي يحكم به ويمشيه على الطريق الأقوم لأرى رسم شخص دارها ، أي الحضرة التي منها صدرت هذه الحكمة المحبوبة ، أي ببصري من كونه بصرا لا من كونه مقيدا بجارحة ولا بجهة ، فكأنه يطلب مقام المشاهدة ، إذ الحكمة ليست مطلوبة إلا من أجل ما تدل عليه . ثم قال : فإذا ما بلغتما الدار حطّا * وبها صاحبيّ ، فلتبكيان يقول لهما : إذا وصلتما إلى المنزل فحطا بي ، ولا شك أنّ هذه الحضرة تغني كل من وصل إليها وشاهدها ، فإنّ المشاهدة فناء ليس فيها لذة ، يقول : فإذا رأيتماني قد فنيت عن وجودي وعنكما فابكياني لكما لا لي لتعطيكما بفنائي عما تعطيه حقائقكما فإن لم أجد الدار ووجدت الأثر بكيت مثلكما . وقوله : وقفا بي على الطّلول قليلا * نتباكى ، بل أبك مما دهاني يقول : قفا بي إن أجد رسم الدار على آثارهما وآثارهم فيها ، ولما شرك بينه وبينهما في البكاء وهما اثنان وهو واحد غلب القلة فقال : نتباكى ، فإنهما ما فقدا شيئا وهو الفاقد فهو الباكي ، فغلب التباكي على البكاء من أجلها . ثم بين مقام انفصاله عنهما ، فأضرب عن التباكي « ببل » ، فقال : بل أبك مما دهاني من فقد الأحبة ورسوم المنازل ، ولم يبق بيدي سوى الآثار التي هي بقايا الديار . ثم أخذ يصف حالة تحكم الحب فيه بسلطانه : الهوى راشقي بغير سهام * الهوى قاتلي بغير سنان وصفه بالرشق حالة أثره فيه على البعد وهي حالة الشوق « 1 » ، ووصفه بالقتل بغير

--> ( 1 ) انظر الرسالة القشيرية ص 329 - 333 ( الشوق ) ، والفتوحات المكية 3 / 663 .