ابن عربي
67
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
وبين ثدييه صلى اللّه عليه وسلم وجد برد الأنامل فعلم علم الأولين والآخرين من ذلك ، فإنّ اللبن الذي يحمله الثدي الواحد كنّى عنه بعلم الأولين ، واللبن الذي يحمله الثدي الآخر كنّى عنه بعلم الآخرين وبينهما موضع الجمع لتحصيل العلمين ليقع بذلك للعالم التمييز إذا وقع منه الإحساس في ذلك الموضع ، كما قال : بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ( 20 ) [ الرحمن : 20 ] لئلا يقع الالتباس ، وأراد بالحسان إشارة إلى أنهما من عين المشاهدة ، فإن « الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه » « 1 » وهو مشتق من الحسن . بأبي ثم بي غزال ربيب * يرتعي بين أضلعي في أمان يقول : أفدي هذا المحبوب المتجلي إليّ بأبي وبنفسي ، يشير لما يطرأ عليه لو اتفق حال الفناء فكنّى عن هذا المحبوب بالغزال لوجهين : الواحد : لاشتقاقه من الغزل وهو التشبيه والمحبة والنسيب . والوجه الآخر : الوحش الذي يألف القفز ، فكأنه يقول : هذا المعنى المطلوب لي مولده ومقامه إنما هو القفر الذي هو مقام التجريد وحال التنزيه والتقديس ، أي إذا كان هذا حالي ومقامي ألفه هذا المعنى كما يألف الغزال القفر . وقوله : ربيب ، أي مربي كأنه يريد أنه نتيجة عن مطلب الهمة ، ونظيره في العمل الصدقة تقع في يد الرحمن فيربيها كما يربي أحدكم فلوه « 2 » أو فصيله « 3 » ، فكذلك المعاني الإلهية إذا كانت معقولة للهمم حتى يتصور طلبها لها فتقبل التربية خلاف ما لا يخطر على القلب فلا يتعلق به الهمة ، وقوله : يرتعي من الرعي ، والرعي يكسب السمن الذي يحصل منه للمرتعي حسنا وجمالا ، فكذلك هذا الوارد الإلهي إذا حصل بقلب الأديب زينه وحسنه بالأدب في التلقي ، فإنه لا بد أن يرجع إلى موجده فيرجع بأحسن صورة وهي موارد الأوقات ، وبابها في المعارف واسع ، وقوله : بين أضلعي في أمان ، يعني للانحناء الذي في الضلوع فكأنها كالحاوية عليه الخائفة لئلا يطرقه شيء كما قد ذكرناه في قصيدة لنا في هذا الكتاب ، وهو قولنا : فطويت من حذر عليه شراسفا فلهذا أوجب له الأمان . ما عليه من نارها ، فهو نور * هكذا النّور مخمد النيران
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( الصحيح 6 / 144 ) ، والبيهقي في ( السنن الكبرى 10 / 203 ) ، وابن خزيمة في ( الصحيح 2244 ) ، والهيثمي في ( موارد الظمآن 16 ) ، وابن حجر في ( فتح الباري 8 / 513 ) ، والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 8 / 434 ، 10 / 94 ) ، وابن كثير في ( التفسير 6 / 356 ) ، والمتقي الهندي في ( كنز العمال 5249 ، 5254 ) . ( 2 ) الفلو : ولد الفرس حين يفطم ، أو حين يبلغ السنة من عمره ( ج ) أفلاء وفلاء . ( 3 ) الفصيل : ولد الناقة إذا فصل عن أمه ( ج ) فصلان وفصال .