ابن عربي
66
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
مشهدها الأقدم ، والغواني : ذوات الأرواح وهن بينهم بكر لم يطمثها إنس قبل هذه المعارف ولا جان أي مستتر ، يقول : ما التذ بها عالم الغيب ولا عالم الشهادة ، الإشارة إلى حكمة علوية إلهية ذاتية أقدسية مشهودة لهذا القائل لينة تورث السرور والابتهاج والطرب والفرح لمن قامت به فهي اللعوب ، تهادى أراد تتهادى بين حكم إلهية ولطائف قد تحقق بها العارفون الذين سبقوا لهذا العارف بالوجود ، وجعلها من بنات الخدور يشير إلى أنها كانت خلف حجاب الصون والحفظ والغيرة في سيرها من الحضرة الإلهية لقلب هذا العارف في المنازل العلوية حتى تصل إليه ، وبهذا كنّى عن ذلك بالخدور وهي الهوادج « 1 » ولا تكون الظعينة « 2 » في ستر الهودج إلّا في الرحيل فإذا نزلوا كنّ مقصورات في الخيام . طلعت في العيان شمسا ، فلما * أفلت أشرقت بأفق جناني يشير إلى قوله عليه السلام : « ترون ربكم كما ترون الشمس بالظهيرة ليس دونها سحاب » « 3 » ، يقول : طلعت هذه المتغزل فيها في عالم الملك والشهادة من الاسم الظاهر الكبير المتعال ، فأعطت في هذا التجلي ما تعطى الشمس في عالم الأركان من الأثر المعنوي والحسي ، إلى أن انتهت بالسير نصف دائرة العالم ، ثم غربت عن الملك والشهادة ، وكان غروبها شروقا في عالم الغيب « 4 » والملكوت « 5 » ، وبذلك كنّى عنه بالجنان من الستر ، ولم يكنّ عنه بالقلب تحرزا من التقليب والتلوين في هذا المقام ، وذكر الأفق من أجل الاعتدال ، وأنّ الإنسان بما تعطيه نشأته لا يبقى عند نظره على حالة اعتداله إلا بالنظر لما يواجهه من قلبه وهو الأفق ، فمتى رام أن ينظر إلى غير الأفق خرج عن الاعتدال ، فلهذا قال : بأفق جناني . [ القوى محل للتغيير والتلوين من حال إلى حال وتصويره لتغير حالة المحل ] يا طلولا برامة دارسات * كم رأت من كواعب وحسان أراد بالطلول : القوى الجثمانيات منه ، وأراد برامة : من رام يروم وهي المحاولة ، وهذا هو النداء المنكر ، يقول : أيتها القوى كم تحاولين تحصيل ما لا يمكن تحصيله وأنت محل التغيير والتلوين من حال إلى حال ، فإنّ الدارس هو المتغير ، ثم أخذ ينبهها بما رأت قبل ذلك مما أفناها وسحقها ومحقها من الحكم الإلهية واللطائف والإشارات العلوية ، والكاعب التي صار ثديها كالكعب وهو أول شباب الجارية ، والإشارة إلى ثدي هذه الحكمة لأنها تحمل اللبن الذي هو الفطرة مشروب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ليلة معراجه
--> ( 1 ) الهوادج : ( ج ) الهودج : مقصورة من الخشب ذات قبة توضع على ظهر الجمل تكون مركبا للنساء . ( 2 ) الظعينة : المرأة في الهودج . ( 3 ) سبق تخريجه . ( 4 ) الغيب : كل ما غاب عنك . ( 5 ) الملكوت : الملك العظيم ، أو العز والسلطان .