ابن عربي
63
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
القوى يحصل ما يظهر عليه من العلوم والمعارف كلها الرياضية والطبيعية والإلهية ، فبهذا يكون شرف لهذا القالب ، ثم قال : بالأمس كان مؤنسا وضاحكا * واليوم أضحى موحشا وعابسا كنّى بالأمس عن الزمان الماضي ، يقول : كان فيه بمغيبه وفنائه مع العالم لأعلى عالم البقاء من غير استمرار زمان عن عالم الفناء والإحساس المقيد في عالم الشهادة مؤنسا وضاحكا في ابتهاج وسرور وغبطة وحبور ، فإنه بمناسبه الروحاني كانت ألفته في هذا المشهد ، فلما رد في الحالة الثانية التي كنّى عنها باليوم إلى حالة إحساسه ومشاهدة عالم الضيق والحرج ، وفراق تلك الفسحات والفرج العلوية والمسارح أخذته الوحشة لتلك الفرقة فصار عبوسا مهموما ، ثم أخذ يقول : [ مقامات الجمع والشهود ] نأوا ، ولم أشعرهم فما دروا * أنّ عليهم من ضميري حارسا يقول : إنّ الملأ الأعلى الذين كانوا مشهودين له في هذا المقام لما رحلوا وردّ بي إلى شاهدي من تلك الغيبة ، بعث عليهم حارسا ضميري وخواطري وهمي تحرسهم وتبصرهم ، مثل ما يفارق الإنسان منزلا ما بإحساسه وهو حاضر معه بخياله ومثاله في نفسه ، ثم أخذ يصف حالة هذا الضمير فقال : يتبعهم حيث نأوا وخيّموا * وقد يكون للمطايا سائسا يقول : يتبعهم حيث توجهوا في سيرهم في المنازل الإلهية ، وخيموا إذا قاموا بمقام ما من مقامات الجمع والوجود لورود الشهود الذي لا تصح معه حركة منه بل له الثبوت في ذلك المشهد ، والمطايا : هم السائرون الذين اشتاق إليهم بالهمة ، وقوله : سائسا يسوسهم أي يؤثر فيهم بالهمة فتكون منهم التفاتة إليه ، وذلك من صدقه ، فإنّ الصغير يؤثر في الكبير إذا صادق التوجه ، وهذا يظهر كثيرا في المريدين الصادقين مع الشيوخ ، وإن كان الشيوخ أعلى ، ولكن صدق التوجه إليهم أثر لهم رحمة بهم ليجزي اللّه الصادقين بصدقهم عاجلا وهو هذا ، وآجلا ما يكون في الأخرى لهم ، ثم أخذ يصف أحوال السائرين فقال : حتّى إذا حلّوا بقفر بلقع * وخيّموا وافترشوا الطّنافسا « 1 » يقول : انزلوا بمقام التنزيه وتجريد التوحيد وخيموا ، مثل قوله عليه السلام : « إنّ الإنسان يوم القيامة في ظل صدقته » . وافترشوا الطّنافسا ، هو ما مهد لهم الحق في منازلهم عند ورودهم عليه من عالم الأكوان ، وما أتحفهم به في ذلك المقام من البر والإكرام ، ثم أخذ يذكر ما أثر نزولهم في ذلك المقام عندهم وما ينزل إليهم من عند الحق من الألطاف والتحف والعوارف بنزولهم فقال :
--> ( 1 ) القفر : الخلاء من الأرض . الطنافس : ( ج ) الطنفسة : البساط .