ابن عربي

64

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

عاد بهم روضا أغنّ يانعا * من بعد ما قد كان قفرا يابسا نبه في هذا البيت على أنّ تجريد التوحيد لا يثبت معه حقيقة زائدة على العين أصلا ، فإذا قاموا في هذا المقام وتحققوا به وعلموا معنى قوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] ردهم إلى توحيد ذواتهم من حيث أحديتهم التي لا شبيه لها من حيث العين في ذاتها ، ثم ذكر قبولها لما يفيضه الحق عليها من الأسرار الإلهية لحقائق الأسماء فشببها بالروضة لكونها جامعة لفنون الأزهار ، وبيّن أن ذلك من مقام الفهوانية بقوله : أغنّ فجمع بين الكسب والوهب من طريق المشاهدة والكلام ، فكأنه في هذا المقام موسوي ومحمدي على مذهب ابن عباس « 1 » وأكثر المحققين . ثم أخذ يصف ما يؤثرون هؤلاء في المنازل بنزولهم : ما نزلوا من منزل إلّا حوى * من الحسان روضة طواوسا يقول : إذا نزلوا في منزل فكان ذلك بحسن فنون حالاتهم وأعمالهم وخلقهم نزلوه طواوسا لحسنهم واختلاف ألوان لباسهم ، وشبههم بالطيور لغلبة الروحانية عليهم ، ولما كانت الطيور ممتزجة بين العالم الروحاني المطلق من حيث طيرانهم في الجو وسياحتهم في الهوى وبين العالم الجسماني من حيث هيكلهم وتركيبهم ، لذلك أوقع التشبيه بها لأنّ الأرواح الإنسانية المقيدة بهذا الهيكل لم تخلص عنه تخلص الأرواح المسرحة التي لا تقييد لها بعالم الأجسام ، لأنها مدبرة بأصل الفطرة والجبلة « 2 » ، ولا تخلصت أيضا لأن تكون من عالم الجسم فتكون ظلمة مطلقة كثيفة ثقيلة ، تتحرك بغيرها لا بنفسها فأشبهت الطير بهذا وذلك أنها متولدة بين الظلمة والنور فهي ممتزجة فكأنها برزخ بين العالمين النوراني والظلماني ، ثم قال : ولا نأوا عن منزل إلّا حوى * من عاشقيهم أرضه نواوسا يقول : ولا رحلوا عن منزل إلّا حوى من عاشقيهم أي من له تعلق بهم من الحقائق التي تجب أن تظهر آثارها فيهم لظهور سلطانهم لهم ، فإنّ المعارف لا وجود لها إلا بالعارفين ، فهي أشد عشقا في وجود العارف بها من حيث ما هو عارف بها من شوق العارف إليها ، فإنّ العارف قد يمكن أن يجهل بعض المعارف فلا يتصور منه طلب ولا عشق ، فلهذا وصفها عند مفارقة العارفين بالموت فإنّ النواويس المدافن .

--> ( 1 ) هو عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي ( 3 ق ه - 68 ه - 619 - 687 م ) أبو العباس حبر الأمة ، الصحابي الجليل ، ولد بمكة ونشأ في بدء عصر النبوة ، فلازم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وروى عنه الأحاديث الصحيحة ، وشهد مع عليّ الجمل وصفين ، وكف بصره في آخر عمره ، فسكن الطائف ، وتوفي بها . له في الصحيحين وغيرهما 1660 حديثا . الأعلام 4 / 95 ، والإصابة ت 4772 ، وصفة الصفوة 1 / 314 ، وحلية 1 / 314 . ( 2 ) الجبلّة : الخلقة ( ج ) جبلات .