ابن عربي
58
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
عرّج ففي أيمن الوادي خيامهم * للّه درّك ما تحويه يا وادي يقول للحادي : عرّج بالهمم إلى أيمن الوادي يشير إلى المراد بالطود الأيمن بالوادي المقدس حالة التكليم والمناجاة بفنون العلوم ، وقوله : خيامهم ، يقول : منازل هذه الهمم ، يقول : إنها لا تنزل إلّا في العلم باللّه لا في اللّه لأنه سبحانه ليس بمحل لنزول شيء فيه ، ولكن غاية الممكن كله العلم باللّه فمدار الكل على العلم لا على غيره لأنه ليس بيد الممكن سواه حيث كان ، ثم أخذ يقول : للّه درك ما تحويه يا وادي يريد من المعارف الإلهية القدسية الموسوية الذي قيل فيها لنبينا صلى اللّه عليه وسلم : وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا [ القصص : 46 ] وقوله : فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها [ الرعد : 17 ] ، ثم أخذ يقول في نعت هذه المعارف والهمم : جمعت قوما هم نفسي وهم نفسي * وهم سواد سويدا خلب أكبادي « 1 » يخاطب الوادي ، يقول : جمعت قوما يريد ما فيه من المعارف والهمم هم نفسي : يريد الهمم ، وهم نفسي : يريد المعارف ، وهم سواد سويدا خلب أكبادي : يريد الهمم فإن انبعاثاتها من سويدا القلب ، يقول : وأنا وإن لم أحظ بحلولي فيك لألتذ بما تحويه وأتنزه ، فإنّ حلول همي فيك كحلولي لأنها مني وإليّ تعزية لنفسه بذلك لما يجده من الشوق إلى المفارقة واللحوق بالعالم الأقدس ، ثم أخذ يعرّض بحاله وهيمانه في ذلك فقال : لا درّ درّ الهوى إن لم أمت كمدا * بحاجر أو بسلع أو بأجياد يقول : أنا أدعي الهوى والهوى سبب مهلك إذا أفرط أدى إلى الرحلة عن هذا الموطن كما اتفق فيما حكي عن جماعة من المحبين أنّ محبوبه قال له : إن كنت تحبني فمت فوقع من حينه في الأرض بين يديه ميتا ، فأخذ يدعو على هواه في هذا العالم الأقدس لا كان هذا الذي لا يميتني كمدا وشوقا بحاجر اللحوق بالبرزخ إذ هو الحاجز بين الشيئين أو بسلع ، يقول : إن لم أمت كمدا بسبب حبّ اللحوق بعالم البرزخ ، فأتجرد عن هذا الهيكل الذي طال حسي فيه بالحجاب أو بسلع أو بسبب مقام مشرف على المقام المحمدي فإنّ المقام المحمدي ممنوع الدخول فيه ، وغاية معرفتنا به النظر إليه كما ينظر في الجنة إلى عليين كنظرنا إلى الكواكب في السماء ، فإن سلعا جبل بذي الحليفة « 2 » يشرف على المدينة فكنّى عنها بالمقام المحمدي لإقامة محمد فيها ، فأشار إلى رتبته ومرتبته . أو بأجياد : جبل مشرف بالحرم المكي على البيت ، يقول : أو بسبب مقام إلهي
--> ( 1 ) الخلب : خلب النساء : من يلصق بقلوبهن ويحلّ منهن محل الخلب ، وهو غشاء الكبد ، ومن يخادعهن بحسن حديثه ( ج ) أخلاب . ( 2 ) ذو الحليفة : قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة ، ومنها ميقات أهل المدينة وهو من مياه جشم بينهم وبين بني خفاجة من عقيل . ( معجم البلدان 2 / 295 ) .