ابن عربي
59
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
يغنيني عن كل كون فلا كان هوى لا يلحقني بهذه المراتب الثلاث أو بمكان منها . [ المقامات التي ينزل بها العارفون وبكاؤه عليها ووصفه لها ] وقال : قف بالمنازل واندب الأطلالا * وسل الرّبوع الدّارسات سؤالا يقول : قف بي لداعي الحق من قلبه بالمنازل يريد المقامات التي ينزلها العارفون باللّه في سيرهم إلى ما لا يتناهى من علمهم بمعبودهم ، وقوله : واندب الأطلالا وابك على ما بقي فيها من آثارهم حيث لم يكن لي معهم قدم فيما نزلوا فيه ، ثم يقول : وسل الربوع يعني المنازل إن لم تروعنا فيها للنازلين حتى تخبرك المنازل عنهم بما كانوا عليه معها من الآداب وسنيّ الأحوال ليكون لك بذلك تأديب ومعرفة وسمّاها دارسات لتغيرها عن الحال التي كانت عليه حين نزولها ، فإنّ المنازل بعد فراق النازلين يذهب الأنس بها لذهابهم ، إذ لا وجود لها من كونها منازل إلّا بهم ، ثم ذكر السؤال ما هو ؟ فقال : أين الأحبّة ، أين سارت عيسهم ؟ * هاتيك تقطع في اليباب ألالا يقول : أين درجوا وأين سارت بهم هممهم التي كنّى عنها بالعيس ؟ فأجابته بقولها : هاتيك ، أي انظر إليهم يسيرون في مقام التجريد الذي كنّى عنه باليباب ، وهو القفر يقطعون فيه الدلائل على مطلوبهم ، فإنها مرتبطة بوجود المطلوب عندهم كما قال تعالى : وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ [ النور : 39 ] ، ثم شبهها فقال : مثل الحدائق في السراب تراهم * الآل يعظم في العيون ألالا يقول : انظر إليهم في السراب مثل الحدائق جمع حديقة ، وقد أورثهم دخول هذا المقام حال العظمة وهو ألالا الأول ، وآلالا الثاني هو شخص الماشي في السراب بهذا الشرط ، وسبب عظمه كونه دليلا فيعظم لدلالته على عظيم الذي هو مطلوبه ، ولذا قال : حتى يعظم يعني ما لم يكن وهو أنت ويبقى من لم يزل وهو هو ، وقال تعالى : كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ [ النور : 39 ] مقام التواضع « 1 » حتى إذا جاءه لم يجده شيئا فدل على شيء ، وهو قوله تعالى : وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ [ النور : 39 ] لانقطاع الأسباب عنه ، وهو مقام شريف ، فلهذا قال : الآل يعظم في العيون ألالا ، أي أنّ العظمة التي كانت للإنسان على غيره من الممكنات لأنه أقوى في الدلالة على الحق لكونه على النشء الأكمل ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : « إنه مخلوق على صورة الرحمن » ، فلهذا كان أقرب الأدلة وأقواها وأعظمها ، ثم أخذ يذكر ما قصد الأحبة بسيرهم . ساروا يريدون العذيب ليشربوا * ماء به مثل الحياة زلالا « 2 »
--> ( 1 ) انظر الرسالة القشيرية ص 144 - 151 ( الخشوع والتواضع ) . ( 2 ) العذيب : وهو الماء الطيب : وهو ماء بين القادسية والمغيثة ، بينه وبين القادسية أربعة أميال وإلى المغيثة اثنان وثلاثون ميلا . ( معجم البلدان 4 / 92 ) .