ابن عربي

48

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

ولذلك قبل الصورة الإلهية ، فكنّى عنه هنا بالنقا ، وقد يريد بقوله : أسكب الدمع ، يقول : تركوني بعالم الطبيعة أبث المعارف المتعلقة بالمناظر العلى لأبناء الجنس المحبوسين عن هذه الأذواق العلية ونيل ما ناله الرجال بصدق الأحوال ، وأشكو الحرقا من الحسرة عليهم حيث لم يكن لهم هذا الخبر عيانا فيكون من باب الرحمة بالخلق ، والأول أمكن في القصد من الثاني لكن الثاني متوجه في حق السامعين ، فإنهم مع الوقت « 1 » ، ولو كان هذا البيت مفردا لتحقق به هذا الوجه الثاني ، وإنما كان الوجه الأول أمكن من أجل الأبيات التي تأتي بعده ، فالأول والثاني للسماع والأول وحده للسماع وزيادة وهي معرفة ما بعده . بأبي من ذبت فيه كمدا * بأبي من متّ منه فرقا « 2 » يفديه بأبيه الذي هو الروح الكلي الأعلى فإنه أبوه الحقيقي العلوي وأمه الطبيعة السفلية ، فيفدي بهذا الأب هذا السر الإلهي النازل عليه الذي وسعه قلبه وهو المعبر عنه في هذا البيت بمن ونسب الذوبان فيه إلى الكمد يقول : إنه في مقام العشق له للاسم الجميل الذي تجلى له فيه ، ثم كرر الفداء له بأبيه فقال : بأبي من متّ يشير إلى مقام الذوبان أيضا بالموت ولكن خوفا من أنوار الهيبة يقول : فطر عليّ الذوبان والفناء عني بحالة مني وهي العشق وبما اقتضاه ذلك الجمال الأعلى من الهيبة وأن الجمال مهوب معظم محبوب والجلال ليس كذلك فإنه مهوب معظم وليس بمحبوب فإنه من سطوات القهر والجبروت « 3 » فتفرق منه النفوس ولما اطلع هذا السر الإلهي الذي وسع هذا القلب الشريف على ما أثر فيه من الذوبان ، والموت استحيا منه حيث لم تتنزل معه إليه الألفاط الخفية التي تبقيه فقال : حمرة الخجلة في وجنته * وضح الصّبح يناغي الشفقا « 4 » فذكر أنه خجل لما ذكرناه ومن أسمائه الحي ، وقد جاء أنّ اللّه تعالى يستحي من عبده ذي الشيبة أن يكذبه فيما كذب فيه ، ولما كان هذا التجلي في الصور المثالية مثل حديث عكرمة « 5 » عن النبي صلى اللّه عليه وسلم حيث قال : « رأيت ربي في صورة شاب أمرد عليه حلة

--> - النّقا : الكثيب من الرمل . الحرق : النار ، ولهيبها ، واضطرامها . ( 1 ) انظر الرسالة القشيرية ( الوقت ) ص 55 - 56 . ( 2 ) الفرق : شدة الجزع والخوف . ( 3 ) الجبروت : صيغة مبالغة بمعنى القدرة والسلطة والعظمة . ( 4 ) الوضح : بياض الصبح أو البياض والضوء . الشّفق : حمرة تظهر في الأفق حيث تغرب الشمس وتستمر من الغروب إلى قبيل العشاء تقريبا . ( 5 ) انظر ترجمته في الأعلام 4 / 244 .