ابن عربي

45

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

طالبيه معرفة ومكرا ، والمكر من محب آخر ليزهد فيه هذا فيتمكن هو منه ، والمعرفة لكونه تعلق بمحصور يحاط به . [ رؤية الحق في الخلق والتجلي ] رأى البرق شرقيا ، فحنّ إلى الشرق * ولو لاح غربيا لحنّ إلى الغرب يشير إلى رؤية الحق في الخلق والتجلي في الصور فأداه ذلك إلى التعلق بالأكوان لما ظهر التجلي فيها ، لأنّ الشرق موضع الظهور الكوني ، ولو وقع التجلي على القلوب وهو تجلي الهوية الذي كنّى عنه بالغرب لحنّ أيضا هذا المحب إلى عالم التنزيه والغيب من حيث ما قد شاهده أيضا محلا للتجلي في تجل أنزه من تجلي الصور في أفق الشرق ، فحنينه أبدا إنما هو لمواطن التجلي من حيث التجلي لا من حيث هي ، وقد أبان عن ذلك في البيت الذي بعده وهو قوله : فإنّ غرامي بالبريق ، ولمحة * وليس غرامي بالأماكن والترب يقول : إنّ غرامي وتهيامي وتعلقي إنما هو بالتجلي الذي هو اللمح ، والمتجلي الذي هو البرق ما هو عن غرامي لمن يتجلى فيه إلا بحكم التبعية كالتولع بمنازل الأحبة من حيث هي منازل لهم خاصة لا من حيث منازل ، فكنّى بالأماكن عن الموطن الغربي ، وكنّى بالترب عن الموطن الطبيعي الصوري لأنه ذكر الشرق والغرب ، وجعل الشرق لعالم الحسّ والشهادة فبهذا ذكر الترب ، وجعل الغرب لعالم الغيب والملكوت فلهذا ذكر المكان فجاء بالأعم فإن كل ترب مكان وما كل مكان تربا ، قال تعالى : وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا ( 57 ) [ مريم : 57 ] وهو خارج عن العناصر لأنه في السماء الرابعة فلم يستحيل عليه اسم المكان . روته الصّبا عنهم حديثا معنعنا * عن البثّ عن وجدي عن الحزن عن كربي الصّبا : الريح الشرقية ، وإلى الشرق كان حنينه لأن من الشرق لاح له البرق الذي هو التجلي وكان في عالم الصور فكان في باطن تلك الصور مطلب للعارف مغيب مبطون فيها وهو الذي أشار إليه بقوله : ولو لاح غربيا . قال : فعالم الأنفاس التي هي الريح الشرقية روت لي عما أبطنته تلك الصور في تجليها من علم الهوى حديثا معنعنا ، يقول : خبرا مسندا عن فلان عن فلان وأخذ يذكر الإسناد وهم الرواة الذين بهم صح هذا التجلي الغربي علما كما كان الشرقي حالا فقال : عن البث وهي الهموم المتفرقة من أجل الصور الكثيرة التي يقع فيها التجلي فله همّ بإزاء كل صورة فلهذا كنّى عنه بالبثّ عن وجدي وهو ما يجده من هذه الهموم ، يقول : هي ذوق لي ما أنا مخبر عن حالة غيري وعن الحزن يعني أصعب المحبة وأشقها فإنه مأخوذ من الحزن الذي هو الوعر عن كربي ، وهو ما يجده من غليل الهوى وحرقاته واصطلامه « 1 » وزفراته .

--> ( 1 ) اصطلم الشيء : استأصله ، واصطلم القوم : أبادهم من أصلهم .