ابن عربي

46

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

[ مراتب التجلي ] عن السكر عن عقلي عن الشوق عن جوى * عن الدمع عن جفني عن النّار عن قلبي السكر « 1 » المرتبة الرابعة في التجليات لأنّ أولها ذوق ، ثم شرب ، ثم ريّ ، ثم سكر ، وهو الذي يذهب بالعقل ، فلهذا روى عنه لأنه صاحبه والسكر يأخذ عن العقل ما عنده ، والعقل يأخذ من الشّوق ، ولهذا تزعم الحكماء وتقول في العقول بالشوق وفي نفوس الأفلاك أنّ حركتها شوقية لطلب الكمال عن جوى وهو انفساحها في مقامات المحبة محصور تحت حيطة النفس كانحصار الجوى تحت حيطة فلك القمر الذي يوصف بالنقص والزيادة وقبول الفيض النوري ، فلهذا قلنا عنه : إنه تحت حيطة النفس ، ولما ذكر الجوى الذي هو إشارة إلى مقام الجو ، ذكر الدمع والجفن في الجوى بمنزلة المطر والسحاب في الجو ، ثم ذكر عنصر النار وهو الفلك الأثير فقال : عن النار عن قلبي ، هو الروح الخارج من تجويف القلب ، يقول : فأخبر هؤلاء الرواة الثقات الأثبات أنّ مثال من همتم فيه ثاو بين ضلوعكم فقال : بأنّ الذي تهواه بين ضلوعكم * تقّلبه الأنفاس جنبا إلى جنب يقول : من شفقة المحبّ على محبوبه الممثل في خلده « 2 » يتخيل أن نيران الأشواق القائمة به تؤثر في ذلك المثال الذي خلده منه فتحن عليه شفقا لتحول بينه وبين النار فلهذا ذكره بالضلوع بالانحناء الذي فيه ، كما قد ذكرنا في قصيدة لنا في هذا الكتاب ، فقلنا : من حذر عليه شراسفا أي : أطراف الضلوع كانت محنية من أجل المحبوب لتضمنه عناقا وحذرا عليه أن يصيبه أذى ، كما قلنا في هذا الباب : ما خفت إذ ضرمت نار الأسى * في أضلع تحرقك النار وقال الآخر : أودع فؤادي حرقا أو دع * ذاتك تؤذي أنت في أضلعي وارم سهام الجفن أو كفها * أنت بما ترمي مصاب معي موقعها القلب ، وأنت الذي * مسكنه في ذلك الموضع وأراد بالأنفاس هنا سطوات هيبة التجلي وقصد تقلبه هذه السطوات ، أي : تؤثر فيه أحوالا مختلفة لاختلافها . وقوله : جنبا إلى جنب ، أي من شمال ليمين ومن يمين لشمال ، ولم يقل : ظهرا لبطن لئلا تحرقه سبحات الوجه أو يهلكه الحجاب ، فجاء

--> ( 1 ) انظر الرسالة القشيرية ( السكر ) ص 71 - 72 . ( 2 ) الخلد : البال والقلب والنفس ( ج ) أخلاد .