ابن عربي
4
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
ضخم قدمه لنا في هذا الكتاب الصغير الحجم الكبير القدر الذي شرح فيه بعض أحوال العارفين وطريق سلوكهم إلى اللّه ، وكيف يكون الأدب مع اللّه ومع الناس ، لهذا لم يكن هناك فرق بين موضوع قصائده حتى يميزها ، وإنما هي أحوال وأنوار عرضت له فترجمها في شعره مخالفا في وزنه أحيانا وفي قافيته أحيانا أخرى ، وإن لم يتغير الموضوع المتحدث عنه كما ستشاهد ذلك أثناء قراءتك له . ونورد فيما يلي ترجمة موجزة للمؤلف . هو محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد اللّه الحاتمي من ولد عبد اللّه بن حاتم أخي عديّ بن حاتم من قبيلة طيّ مهد النبوغ والتفوق العقلي في جاهليّتها وإسلامها . يكنى أبا بكر ويلقب بمحيي الدين ، ويعرف بالحاتمي وبابن عربي لدى أهل المشرق تفريقا بينه وبين القاضي أبي بكر بن العربي . ولد في يوم الاثنين السابع عشر من رمضان عام خمسمائة وستين هجرية في مدينة « مرسية » بالأندلس ، وهي مدينة أنشأها المسلمون في عهد بني أمية . وكان أبوه علي بن محمد من أئمة الفقه والحديث ، ومن أعلام الزهد والتقوى والتصوف . وكان جده أحد قضاة الأندلس وعلمائها ، فنشأ نشأة تقيّة ورعة نقيّة من جميع الشوائب الشائبة . وانتقل والده إلى إشبيلية ، وفيها شبّ محيي الدين ودرج . وما كاد لسانه يبين حتى دفع به والده إلى أبي بكر بن خلف عميد الفقهاء ، فقرأ عليه القرآن الكريم بالسبع في كتاب « الكافي » ، فما أتمّ العاشرة من عمره حتى كان مبرزا في القراءات ملهما في المعاني والإشارات . ثم أسلمه والده إلى طائفة من رجال الحديث والفقه ، ثم لا يذكر لنا التاريخ بعد ذلك شيئا ذا بال عن شباب محيي الدين ، ولا عن شيوخه ، ومقدار ما حصّل من العلوم والفنون ؛ وإنما هو يحدثنا أنه مرض في شبابه مرضا شديدا . وفي أثناء شدة الحمى رأى في المنام أنه محوط بعدد ضخم من قوى الشر ، مسلحين يريدون الفتك به . وبغتة رأى شخصا جميلا قويا مشرق الوجه ، حمل على هذه الأرواح الشريرة ففرّقها شذر مذر ، ولم يبق منها أي أثر ، فيسأله محيي الدين من أنت ؟ فقال له أنا سورة يس . وعلى أثر هذا استيقظ فرأى والده جالسا إلى وسادته يتلو عند رأسه سورة يس . ثم لم يلبث أن برئ من مرضه ، وألقي في روعه أنه معدّ للحياة الروحية ، وآمن بوجوب سيره فيها إلى نهايتها ففعل . وفي طليعة هذا الشباب المزهر بفضل ثروة أسرته تزوج بفتاة تعتبر مثالا في الكمال الروحي والجمال الظاهري وحسن الخلق ، فساهمت معه في تصفية حياته الروحية ، بل كانت أحد دوافعه إلى الإمعان فيها . وفيما بين سنتي 597 و 620 ه يبدأ رحلاته الطويلة المتعددة إلى بلاد الشرق فيتجه في سنة 598 ه إلى مكة حيث يتعرف بالشيخ مكين الدين وابنته كما أشرنا إلى ذلك في المقدمة .