ابن عربي

5

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

وفي سنة 601 ه يرتحل إلى الموصل حيث تجتذبه تعاليم الصوفي الكبير علي بن عبد اللّه بن جامع الذي تلقى لبس الخرقة عن الخضر مباشرة ، ثم ألبس محيي الدين إياها بدوره . وفي سنة 603 ه نلتقي به في القاهرة مع فريق من الصوفية الذين يطبقون حياة تنسكية قوية محافظة . وهنا يظهر له رائد سماوي يأمره بإدخال شيء من الكمال على مذهبه ، ولكنه لا يكاد يفعل حتى يتنمر له عدد من الفقهاء يحيكون حوله وحول أصحابه شباكا من الدسائس تهدّد اطمئنانهم بل حياتهم ، ولولا نفوذ أحد أصدقائه لوقع في ذلك الخطر ، ولكنه لحسن حظه يستطيع أن ينجو بنفسه ويفر إلى مكة في سنة 604 ه فيلتقي فيها بأصدقائه القدماء الأوفياء ، ويقيم بينهم في هدوء وسكينة نحو ثلاثة أعوام ، ثم يرتحل إلى قونية بتركيا حيث يتلقاه أميرها السلجوقي باحتفال بهيج . وهناك يتزوج بوالدة صدر الدين القونيوي ، وهو أحد تلاميذه المفضلين ثم لا يلبث أن يرتحل إلى أرمينيا ، ومنها إلى شاطىء الفرات . وفي سنة 608 ه نلتقي به في بغداد حيث يتصل بالصوفي المعروف شهاب الدين عمر السهروردي . وفي سنة 611 ه يعود إلى مكة ولا يكاد يستقر فيها حتى يجد أن عددا من فقهائها المنافقين الدساسين قد جعلوا يشوهون سمعته ويرمونه بأن قصائده التي نشرها في ديوانه الرمزي منذ ثلاثة عشر عاما كانت تصور غرامه المادي الواقعي بالفتاة « نظام » ابنة صديقه الشيخ الإيراني التي أشرنا آنفا إلى أنه اتخذ منها رمزا نقيا للحكمة الخالدة . وعندما تبيّن هذه التهمة الرخيصة وعرف مصادرها الحقيقية حمل عليها وعلى واضعيها حملة قوية كشفت زيفها للجميع بصورة جعلت القائمين بها يعترفون بأخطائهم ويعتذرون إليه عنها . وبعد ذلك يرتحل إلى حلب فيقيم بها ردحا من الزمن معززا مكرما من أميرها . وأخيرا يلقي عصا التسيار في دمشق في سنة 620 ه حيث كان أميرها أحد تلاميذه المؤمنين بعلمه ونقائه ويظل بها يؤلف ويعلم ويخرّج التلاميذ والمريدين يحوطه الهدوء وتحف به السكينة حتى يتوفى بها في 28 ربيع الثاني من سنة 638 ه .