ابن عربي
34
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
هو المارج فإنها للنار بمنزلة الأغصان للشجر فتميلها الرياح كما تميل الأغصان ، فمن هنا أوقع التشبيه لها بالغيضة والأفنان ، قال : وكان ميل هذه الأفنان الشوقية اللهيبة لتغنيني عني حتى يكون هو ولا أنا غيرة على المحبّ أن يكون له وجود في نفسه لغير محبوبه ، فكان كما أراد ، فقال : فأفناني ميل هذه الأفنان ووصفها بالمناوحة لكون المحبة تقتضي الجمع بين الضدين . وجاءت من الشّوق المبرّح والجوى * ومن طرف البلوى إليّ بأفنان يقول : ساقت معها إليّ فنونا كثيرة من الشوق المبرح أي المظهر لما يكنه جناني من هواه ، والجوى الذي هو الانفساح في المحبة لأنه على الحقيقة مأخوذ من الجوّ ومن طرف جمع طرفة ، وهي أوائل كل طرفة وأول كل بلاء أصعبه ، فإذا سكنت إليه النفس هان عليها والبلوى من الابتلاء أي ساقت إليّ أوائله التي هي أصعبها . فمن لي بجمع والمحصّب من منى * ومن لي بذات الأثل من لي بنعمان يقول : من لي بالجمع بالأحبة في مقام القربة وهي المزدلفة والمحصّب موضع تحصيب الخواطر المانعة من قبل هذه النية المطلوبة للمحبين ومن لي بذات الأثل الذي هو الأصل ، فإنّ الأصل في المحبة أن تكون أنت عين محبوبك وتغيب فيه عنك فيكون هو ولا أنت من لي بنعان أي بهذا المقام الذي يكون به النعيم الإلهي القدسي . تطوف بقلبي ساعة بعد ساعة * لوجد وتبريح وتلثم أركان كما طاف خير الرّسل بالكعبة التي * يقول دليل العقل فيها بنقصان وقبّل أحجارا بها ، وهو ناطق * وأين مقام البيت من قدر إنسان شرح البيت الأول ، أي تتكرر عليه مع الأنات لتقلبه هو في الحالات ولذلك جاءه بالقلب ولم يقل بالنفس ولا بالروح ، وقوله : لوجد وتبريح ، من أجل إلقائها في الوجد بها والشوق المزعج إليه . وتلثم أركاني يعني بالأركان الأربعة التي قام عليها هذا الهيكل وتلثمه أي تقبله فوق اللثام يعني الحجاب فإنه ما في قوته مشاهدتها إلا بواسطة ، وقد طافت بقلبه فقد غمرت ذات المحب حسّا ومعنى هذه الحقائق . فكم عهدت أن لا تحول وأقسمت * وليس لمخضوب وفاء بأيمان يقول : هذه الواردات قد يكون منها ما فيه امتزاج بالمزاج ، فكنّى عما فيها منها بالمخضوب ، ولهذا وصفها بعدم الوفاء ، وتسمى هذه واردات نفسية وهي التي وردت على النفس حين خاطبها الحق أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ [ الأعراف : 172 ] وأخذ عليها العهد والميثاق ، ثم بعد ذلك لم تثق بمقام التوحيد « 1 » له بل أشركت على طبقاتها فإنه ما سلم
--> ( 1 ) انظر الرسالة القشيرية ص 298 - 303 . ( التوحيد ) ، وانظر الفتوحات المكية 3 / 524 - 530 .