ابن عربي
35
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
من هذا الشرك أحد ، فإنّ كل أحد قال : أنا فعلت ، وقال على حين غفلة عن مشاهدة القائل فيه وبه من هو . [ حجب الحالة النفسية عن اللطيفة الإلهية وبيانه لمكان اللطيفة من أهلها ] ومن عجب الأشياء ظبيّ مبرقع * يشير بعنّاب ، ويومي بأجفان يقول : من أعجب الأشياء ظبي يريد لطيفة الإلهية ، مبرقع . يقول : محجوب بحالة نفسية وهي أحوال العارفين المجهولة ، فإنّ العامة تظهر بما تظهر به الطائفة المحققة من الصور بخلاف أصحاب الأحوال ، ولا يتمكن التصريح من أهل هذا المقام بأحوالهم ، فإنّهم يكذبون لعدم الشاهد ، ولكن يعرفون بالإشارة والإيماء « 1 » عند بعض الذائقين لأوائل أحوالهم ، وأراد بالعناب هذا ما أراده بالمحصّب في اليد قبله والإيماء بالأجفان . يقول : أدلة النظر في أحكام أصحاب هذا المقام يقوم للذائقين لأوائله فتقع المعرفة لهم فيهم أنهم وإن اشتركوا مع العامة في صورة الحكم الظاهر فهم بائنون في أسرارهم في أصلها فشتان بين من ينطق بنفسه وبين من ينطق بربه واللسان واحد عند السامع في الشاهد . ومرعاه بين التّرائب والحشا * ويا عجبا من روضة وسط نيران « 2 » يقول : ومرعاه بين الترائب والحشا من العلوم التي في صدره . والحشا ما حشى به باطنه وقلبه من الحكم والإيمان كما قال : وضرب بيده إلى صدره : إن هاهنا لعلوما جمة « 3 » لو وجدت لها حملة ، ثم أخذ يتعجب من محبّ أحرق بنيران المحبة والاشتياق كيف لم تحرق ما يحمله من الحكم والعلوم التي بين ترائبه وفي حشاه ، ووصفه بالروضة لاختلاف أزهارها وأثمارها فإنّ فنون العلوم كثيرة متنوعة ، ومن شأن النار إذا تعلقت بالأشجار أحرقتها وهذه علوم محمولة في هذا الشخص ونار الحب متأججة في ذاته فكيف لم تذهب بهذه العلوم فلا يبقى لديه علم أصلا ، والجواب عن هذا أنه منه تكون وإذ تكون شيء عن شيء لم يعدمه ذلك الشيء كما يقال في السمندل « 4 » إن كان حقا أنه حيوان يتكون في النار فلا تعدو عليه ، ولما كانت هذه العلوم والمعارف نتائج عن نيران الطلب والشوق إليها لم تغن بها . لقد صار قلبي قابلا كل صورة * فمرعىّ لغزلان ودير لرهبان
--> ( 1 ) أومأ إليه : أشار إليه بيده ، أو عينه ، أو حاجبه ، أو رأسه أو غيرها . ( 2 ) الترائب : عظام الصدر مما يلي الترقوتين . الواحدة : تريبة . ( 3 ) الجمّ : الكثير من كل شيء . ( 4 ) السّمندل : طائر إذا انقطع نسله وهرم ألقى نفسه في الجمر فيعود إلى شبابه ، وقيل : دابة يدخل النار فلا تحرقه . ( لسان العرب 11 / 348 مادة : سمندل ) .