ابن عربي

33

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

حيث الدهن ومن حيث البعد كما قال ، فكانت البان أي كانت سليمى . فقال للواردات : رفقا عليّ لا تضعفن من الضعيف ما تلقين إليّ في خطابكن من ثمرات التعشق والمحبة المهلكة للمحبين أي خطابكن يشجي ويضاعف شجوي ، وقد يكون من الضعف أي شجوي يضعف لشجوكن من باب قوله : « من تقرب إليّ شبرا تقربت منه ذراعا » « 1 » . ترفّقن لا تظهرن بالنّوح والبكا * خفيّ صباباتي ومكنون أحزاني يخاطب الواردات التي ذكرناها يقول : لا تظهرن بالنوح التي هي المقابلة في الشجون والبكاء إرسال المدامع لسبق المقدور وعدم تبدله وقد رأيته في مشهد من المشاهد يبكي على ما سبق في العلم من شقاء الدجال وأبي لهب وأبي جهل من باب قوله عليه السلام : « ما ترددت في شيء كترددي في قبض روح عبدي المؤمن وهو يكره الموت وأنا أكره مساءته ولا بد له من لقائي » « 2 » فمن هذا المقام يكون هذا البكاء ، وقوله : خفي صباباتي ما تنطوي عليه الضلوع من رقة الشّوق للمنظر الأجلى ، ومكنون أحزاني ما تستره من ألم الفقد عند رجوعها إليها . أطارحها عند الأصيل وبالضّحى * بجنّة مشتاق وأنّة هيمان يقول : أطارحها أقول مثل ما تقول : يشير إلى حالة الصدى الذي هو رد الصوت إليك بما يخرج منك . قال اللّه تعالى للنفس أول ما خلقها : من أنا ؟ قالت له : من أنا لصفائها فأسكنها في بحر الجوع أربعة آلاف سنة ، فقالت له : أنت ربي ، وقوله : عند الأصيل وبالضحى وهما طرفا النهار وهو قوله تعالى : بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ( 41 ) [ آل عمران : 41 ] وقوله : قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها [ طه : 130 ، غافر : 55 ] فهو المقدس نفسه بنفسه ، ويظهر الأثر في غيره ، فينسب إليه الأمر وهو ليس هناك لأنه به يتكلم وبه يسمع وبه يبصر ، وقوله : تحية مشتاق وأنة هيمان من قوله : « يحبهم ويحبونه » ، فمن هذا المقام تكون المطارحة بين من ذكرنا والحنين للاشتياق وللأنين الهيمان . تناوحت الأرواح في غيضة الغضا * فمالت بأفنان عليّ فأفناني يقول : تقابلت الأرواح ، جمع روح ، وإذا أراد جمع ريح فيريد عالم الأنفاس . وكنّى عن نيران الحب بالغضا ، والغيضة شجرة ووصفها بالميل ، فإن لهيب النار الذي

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( توحيد 15 ، 50 ) ، ومسلم ( ذكر 20 ، 21 ، 22 ) ، ( توبة 1 ) ، والترمذي ( دعوات 131 ) ، وابن ماجة ( أدب 58 ) ، وأحمد بن حنبل 2 ، 413 ، 435 ، 480 ، 482 ، 509 ، 524 ، 534 ، 3 ، 40 ، 122 ، 127 ، 130 ، 273 ، 5 ، 153 ، 155 ، 169 ، 351 . ( 2 ) سيأتي تخريجه .