ابن عربي
32
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
المشروعة التي نصبها الحق ما هي مثل حكم الفلاسفة التي هي نتائج أوضاعهم ، ويعرف ذلك أصحاب الذوق ، والعقائل مشتقة من العقل أي هن ممن يعقلن ما يلقى إليهن ويعرفن مقداره ويميزنه ، فيكون تنزلهن على ذلك القدر والحد . وقوله : غيد ، أي مائلات لمن نزلت عليه بضرب من الحنوّ فإن الميل حنوّ يشير إلى مقام الحنان والرأفة والعطف والمحبة والرغبة والميل لا يكون إلا من استواء فيشير إلى أنهن من حيث هن في مقام الاستواء والاعتدال وعدم الالتفات ، وإذا استدعين بالسؤال والرغبة والتواضع والشوق والمحبة ملن عن ذلك الاستواء إلى المنادي لما لم يكن في قوته العروج إليهنّ فكان منها النزول . [ حديثه على لسان الحضرة الإلهية ] وقال رضي اللّه عنه : إنّي عجبت لصبّ من محاسنه * تختال ما بين أزهار وبستان فقلت لا تعجبي ممّن ترين ، فقد * أبصرت نفسك في مرآة إنسان قالت : يعني الحضرة الإلهية عجبت لصبّ يعني المائل إليها بالمحبة ووصفها بالتعجب من باب قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ اللّه يتعجب من الشاب ليست له صبوة » وقوله : من محاسنه تختال ما بين أزهار وبستان يعني بالأزهار الخلق والبستان المقام الجامع وهي ذاته ووصفه بالخيلاء مناسبة لقولها : عجبت ومن باب قول عتبة الغلام لما أخذ يختال ويتيه في مشيته فقيل له في ذلك فقال : وكيف لا أتيه وقد أصبح لي مولى وأصبحت له عبدا وإذا تحقق العبد بالحق تحقق كنت سمعه وبصره ، وتحقق أن يكون كله نورا فجميع ما ينسب إليه الحق إذا انتسب إليه يستحقه ذلك المقام ثم أعاد القول هذا المحب على الحضرة فقال : لا تعجبي مما ترين فإني لك كالمرآة وهذه أخلاقك التي تخلقت بها فنفسك أبصرت لا أنا ولكن في إنسانيتي القابلة لهذا التجلي ، فهي لها كالبستان وهذا مقام رؤية الحق في الخلق وعند بعضهم مقام رؤية الحق في الخلق أعلى من مقام رؤية الخلق في الحق وسر هذين المقامين عجيب فإنّ الناس في حال نعيمهم في الجنة وتصرفاتهم هو في مقام رؤية الخلق في الحق فلهم الاقتدار وهم في الكثيب « 1 » في رؤية الخلق في الحق وبتلك الصفة يرجعون إلى الجنة والأمر على الحقيقة رؤية حق في حق لأنهم يشهدونه في الكثيب . [ واردات التقديس واستعداد الناس لها ] ألا يا حمامات الأراكة والبان * ترّفقن لا تضعفن « 2 » بالشّجو أشجاني أراد بالحمامات واردات التقديس والرضى والنور والتنزيه ، فالتقديس والرضى للأراكة لأنه شجر يستاك به وهو مطهرة للفم ومرضاة للرب ، والنور والتنزيه للبان من
--> ( 1 ) الكثيب : التل من الرمل . ( 2 ) في نسخة أخرى : لا تضعفن .