ابن عربي
27
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
وسماهم أوانس لوقوع الأنس بهن وأنّثهم لأنّ اللفظة التي تطلق عليهم تقتضي التأنيث وهو الملائكة والجنة ، ولهذا جعلهم من جعلهم بناتا وإناثا وقوله : معتجزات أي غير مشهودة له سبحات وجوههم لأنهم غيب لنا لا نراهم ثم قال : حسرن عن أنوار الشّموس وقل لي * تورّع فموت النّفس في اللحظات يقول : ظهرن له وارتفع الحجاب فسطعت أنوارهن لعينه مثل الشموس واختص ذكر الحافين حول العرش لمناسبة الطائفين فإنهم حافون من حول الكعبة ، وقوله : تورّع ، يقول : اجتنب الملاحظة لئلا تذهب بنور بصرك المقيد كما جاء « لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلفه » . فيقول : هذه الأرواح تقول له لا تنظر إلينا فتعشق بنا حالا ومقاما ، وأنت إنما خلقت له لا لنا فإن احتجبت بنا عنه أفناك عن وجودك به فمت فتكون عليك لحظة مشؤومة . فنصحوه بقولهم : تورع ، تنبيها . وكم قد قتلنا بالمحصّب من منى * نفوسا أبيّات لدى الجمرات يقول : كم من نفس أبية ، يعني بالنفوس الأبية هي التي تحب معالي الأمور ، وتكره مذام الأخلاق والتعلق بالأكوان ، ومع ذلك حجبهم ، وتيمهم جمال الأكوان في أوقات ما وفي مقامات ما ، فتحفظ لئلا تلحق بهم ، ولم يريدوا أنفسهم خاصة بهذا الخطاب ، فإنّ هؤلاء الأرواح ما لهم دخول في المحصّب ولا غيره فإنهم حافون ، وليس لهم مناسبة إلّا مع الطائفين ، وإنما تعني أمثالها من الأرواح في كل مقام ، كما قال : كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ [ الروم : 28 ] يعني أمثالكم لا يريد عين نفس الخائف . وفي سرحة الوادي وأعلام رامه * وجمع وعند النّفر من عرفات يقول : في هذه المواطن المذكورة كلها ماتت نفوس أبيّات كانت تزعم أن لا تعلق لها ولا تعشق إلا بالنور المحض المطلق ، فلما تجلى عند مفارقتها ظلمة الطبيعة والهباء ، وارتفعت عن حضيضها « 1 » إلى أنوار الروحانيات العلى في هذه المواطن وأمثالها بهرها حسن ذلك النور وجماله وبهاؤه ، فوقفت معه عن مقصودها لجهلها به فلا تسكن مثلهم فتندم . ألم تدر أنّ الحسن يسلب من له * عفاف فيدعى سالب الحسنات فموعدنا بعد الطّواف بزمزم * لدى القبة الوّسطى لدى الصّخرات يقول : إنّ الجمال محبوب لذاته ومن ملكه شيء كان له ملكه والحسنة مشتقة من الحسن والحسن معشوق لذاته والحسنة ما لها قوة الحسن فإنها معنوية من باب الإيمان
--> ( 1 ) الحضيض : ما سفل من الأرض .