ابن عربي
28
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
غيب في الشهود وهو من نتائج الأعمال الشاقة وتحمل المكاره ، فهي نتائج مضافات ومكارم فلهذا كان الحسن المشهود غالبا عليها حاكما على من شاهده فلهذا يقال له : سالب الحسنات لا يتركك التلذذ بمشهد الحسن فيمن كان يفعل إلا ما يشير به حامل ذلك الحسن وقد يشير بما يحول بينك وبين معالي الأمور من حيث التوصل إليها لا من حيث هي فإنّ التوصل إليها بالمكاره كما قال عليه الصلاة والسلام : « حفت الجنة بالمكاره » « 1 » وكما رأى بعض المشاهدين معروفا في النار في وسطها وقد حفت به وكانت المكاره التي حازها إلى مكانه الذي رآه فيه يشير له في كشفه أنه لا يصل إلى مقامه إلا بعد أن يخوض غمرات تلك النيران ، ثم قال : فموعدنا بعد الطّواف بزمزم البيت بكماله . يقول : تقول له هذه الروحانيات أشهدناها من مقامات الحياة التي نحن لها فإنها أرواح والمناسبة بينها وبين الماء الحياة ، وقوله : لدى القبة الوسطى يعني البرزخ لدى الصخرات ، يقول : تنزل المعاني النفيسة في القوالب المحسوسة وكنّى عنها بالصخرات التي هي الجمادات الخالية للعبادة والعرف ، أي أنّ هذه الأرواح في هذه الصور الخيالية معان لا ثبات لها فإنها سريعة الزوال من النائم باليقظة ومن المكاشف بالرجوع إلى حسه كما أنّ النساء اللائي يصلن إلى ذلك الموضع إنما يعمرنه ساعة ثم ينصرفن إلى أماكنهن فلهذا أوقع التشبيه بذلك يقول : لا تغتر بتجلي حسن الأكوان العلوية والسفلية لعينك فإنه كل ما خلا اللّه باطل أي عدم مثلك فكأنك ما زلت عنك فكن له ليكون لك لا تكن لك فقد نصحوا صلوات اللّه عليهم . هنالك من قد شفّه الوجد يشتفي * بما شاءه من نسوة عطرات يقول : في عالم البزخ يشتفي من أراد التلذذ بالمعاني القدسية في القوالب الحسية من عالم الأنفاس والأرواح ، وسبب ذلك الجمع بين الصورتين المعنى والصورة فليلتذ عينا وعلما . إذا خفن أسدلن الشعور فهنّ من * غدائرها في الحف الظّلمات
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في صحيحه ( الجنة المقدمة 1 ) ، والترمذي في ( السنن 2559 ) ، وأحمد بن حنبل في ( المسند 2 / 260 ، 308 ، 3 / 153 ، 254 ، 284 ) ، والدارمي في ( السنن 2 / 339 ) ، والبغوي في ( شرح السنة 14 / 306 ) ، والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 8 / 626 ) ، والمتقي الهندي في ( كنز العمال 6805 ) ، وابن المبارك في ( الزهد 325 ) ، وابن كثير في ( البداية والنهاية 12 / 13 ) ، والآجري في ( الشريعة 390 ) ، والقرطبي في ( التفسير 4 / 28 ) ، والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 4 / 57 ) ، والخطيب البغدادي في ( تاريخ بغداد 8 / 184 ) ، وابن عدي في ( الكامل في الضعفاء 5 / 1796 ، 7 / 2661 ) ، والعجلوني في ( كشف الخفاء 1 / 416 ) والسيوطي الحلبي في ( الدرر المنثرة في الأحاديث المشتهرة 74 ) .