ابن عربي

17

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

منك هذا مقامه ، وزحزح الملك يريد خاطر العلم والهداية إبليسا خاطر الاتحاد فإنّ هذا مقام صعب قل من حصل فيه فسلم من القول بالاتحاد والحلول فإنه المشار إليه بقول اللّه : « كنت سمعه وبصره » « 1 » الحديث . خليليّ عوجا بالكثيب وعرّجا * على لعلع واطلب مياه يلملم يخاطب عقله وإيمانه أن يعرجا بالكثيب الذي هو محل المشاهدة التي نص عليها الشرع ، وعرجا قبل الوصول على لعلع موضع حال دهش وحيرة وتولع لتقع الرؤية عن محبة وشوق ، واطلب مياه يلملم جهة كائنة أي ردّ عليّ موطن الحياة إذا كان من الماء كل شيء حي ، ولما كانت الأنفاس يمنية فلتكن الحياة أيضا من مناسبة هذه الجهة للمشاكلة ثم قال : فإنّ بها من قد علمت ومن لهم * صيامي وحجّي واعتماري وموسمي فلا أنس يوما بالمحصّب من منى * وبالمنحر الأعلى أمورا وزمزم أفرد الخطاب ، يريد الإيمان دون العقل فإن العلم بالذات وما تستحقه من النعوت إنما هو من طريق الإيمان لا من طريق العقل ، فلهذا قال : من قد علمت ولم يقل علمتها ، والضمير في بها يعود على المياه فإنها التي تعلم ، لا على الذات إذ الذات ترى ولا تعلم ، لأنها لو علمت أحيط بها وهو سبحانه لا يحيط به علم تقدس وتعالى عن أن يحيط به علم الممكن أو تكون ذاته تعطى الإحاطة فهو المحيط ولا يحيط به شيء ، إذ لو أحاط به شيء لحصره ذلك الشيء ، ثم قال : « ومن لهم » خطابا لنعوت الإلهية وقوله : صيامي ، يريد صفة الصمدانية ، كما قال تعالى : « الصوم لي » أي الصمدانية للعبد لا تصح ولا يستحقها والصوم له مدخل فيها لأنه إمساك عن الطعام والغذاء وقوله وحجّي ، يريد تكرار القصد بالتوجه إلى هذه الذات المنزّهة من أجل دعاء الأسماء الإلهية في كل نفس وحين ، وقوله : واعتماري يريد فزياراتي إليها في وقت شوقي وطلبي والعلة دائمة والزيارة دائمة لا يزال العبد مع الأنفاس حاجّا ومعتمرا لأنه في كل نفس في انتقال من اسم إلهي إلى اسم إلهي ، وقوله : وموسمي كما قال الآخر حين جعله عيده ، ولما كان الموسم عبارة عن محل مكاني وزماني تجتمع فيه قبائل مختلفة لمقصد واحد بلغات مختلفة تدل على معنى واحد جعله عيده كذلك مقامات هذا العبد وأحواله الحقائق الإلهية إذا حصل القلب في محل الجمع لما ذكرناه كان ذلك موسمه وعيده وإنما سمي موسما من حيث السمة أي أنه علامة على تحصيل هذا المقام الجمعي ، وسمي عيد العودة على بدئه لأن الأمر فيه دوري وإن كانت الواردات الإلهية لا تتناهى فالمقامات بلا شك تتناهى .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( رقاق 38 ) .