ابن عربي
18
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
[ رؤية الحقائق الإلهية وغزله فيها ] وقوله : ( فلا أنس يوما ) يقول : تخلقا إلهيا من مقام كنت سمعه وبصره ، فنبه على أنه أيضا قد حصل في مقام وما كان ربك نسيّا تخلقا إلهيا واعتناء ، وقوله : بالمحصّب من منى الذي هو موضع رمي الجمار . يقول : فلا أنس يوما بمقام قوله : فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً [ البقرة : 200 ] أي أديموا ذكر آبائكم في هذا الموطن من قلوبكم وألسنتكم ، فإن قوله تعالى : أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ [ لقمان : 14 ] إنما ذلك في مقام إيجاد عين العبد حيث كان إيجاده عند سبب اجتماع والديه بالنكاح وتعبهما في إيجاده وهذا ما هو ذلك المقام فلا يلزم هنا هذا الدخل على من قيل له اطرح ذكر آبائك هنا فإن كل مقام يعطي حقيقته وذكر منى لأنه من باب الأماني ، وقد قيل : ولا تغرنكم الأماني ، وقوله : ( وبالمنحر الأعلى ) يشير إلى القربان كما قال : تهدى الأضاحي وأهدي مهجتي ودمي ، يعني نفسه ، وقوله : أمورا ، يريد الحياة الأبدية . محصّبهم قلبي لرمي جمارهم * ومنحرهم نفسي ومشربهم دمي الضمير في هذا البيت بمحصبهم وغيره يعود على الحقائق الإلهية فإنها الواردة على القلب بهذه الصفات كلها ، فرمي جمارهم هو ما يحصون به الخواطر النفسانية والشيطانية ، وإن كانت إلهية ، ولكن من حيث المحل الذي وردت على هذا القلب منه ، لذلك كان المحصب ولذلك توجه الذم كما قال : وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [ النساء : 79 ] ، وقال : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [ النساء : 78 ] إشارة لما جرى قديما يقول : فما لهؤلاء المعترضين لا يفقهون ما حدثناهم به من أن الكل من عندنا ذما وحمدا فلا يذمون ما سميناه مذموما ويحمدون ما سميناه محمودا وينظرون الأشياء من حيث ما علمناهم ووضعناها لا من حيث إسنادها إلينا بحكم الإيجاد وقوله : ومنحرهم نفسي يريد قربانها كما قلنا . وأهدى عن القربان نفسا معيبة * وهل ريء خلق بالعيوب تقربا والحكاية مشهورة في الفتى الذي قرب نفسه بمنى بهمته حين رأى الناس قربوا قرابينهم « 1 » فجعل نفسه قربانه فمات من حينه . وقوله : ومشربهم دمي وأن الدم لما كان سريانه في العروق سبب الحياة الحيوانية كنّى عنه بالشرب فإن الماء جعله اللّه سببا لكل شيء حي فقال : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [ الأنبياء : 30 ] ، ثم قال : فيا حادي الأجمال إن جئت حاجرا * فقف بالمطايا ساعة ثمّ سلّم الحادي : هو الذي يسوق الإبل من خلفها . والهادي : هو الذي بيده زمامها فهو يخاطب الشوق الذي يحدو بالهمم إلى منازل الأحبة ، وقوله : إن جئت حاجرا الحاجر
--> ( 1 ) القربان : ما يتقرب به إلى اللّه من ذبيحة وغيرها ( ج ) قرابين .