ابن عربي

14

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

حيث يريد ، كما قال عليه الصلاة والسلام : « لا تعطوا الحكمة غير أهلها » « 1 » فلو لا الحكم عليها ما صح التحكم فيها بخلاف المتكلم بغلبة الحال عليه فيكون في حكم الوارد ، فينبه في هذا البيت على تملكه ميراثا نبويا ، فإن الأنبياء يملكون الأحوال ، وأكثر الأولياء تملكهم الأحوال ، وقرن الشمس وإدريس لأنها سماؤه وشبهها بالشمس دون القمر تعريفا بمقام هذه الحكمة من غيرها ، فكأنه يقول : قوة سلطان هذه الحكمة إذا وردت على قلب صاحب التجريد أثمرت فيه أحوالا حسانا ومعارف مختلفة ، وإذا وردت على قلب متعشق بما حصل فيه من المعارف أحرقتها وأذهبتها ، وذكر المشي دون السعي وغيره لنخوتها وعجبها وانتقالها في حالات هذا القلب من حال إلى حال بضرب من التمكن . تحيي إذا قتلت باللحظ منطقها * كأنّها عندما تحيي به عيسى المقصد : نبّه على مقام الفناء في المشاهدة بقوله : قتلت باللحظ وكنّى بالإحياء عند النطق لتمام التسوية لنفخ الروح ، ووقع التشبيه بعيسى عليه السلام دون التشبيه بقوله تعالى : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر : 29 ، ص : 72 ] ، أو بقوله تعالى : أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ [ يس : 82 ] من وجهين : الوجه الواحد : الأدب فإنا لا نرتفع إلى التشبيه بالحضرة الإلهية إلّا بعد أن لا نجد في الكون من يقع التشبيه به فيما قصدوا . الوجه الآخر : أنّ عيسى عليه السلام لما وجد من غير شهوة طبيعية فإنه كان من باب التمثيل في صورة البشر ، فكان غالبا على الطبيعة بخلاف من نزل عن هذه المرتبة ، ولما كان الممثل به روحا في الأصل كانت في قوة عيسى إحياء الموتى ، ألا ترى السامري لمعرفته بأنّ جبريل عليه السلام معدن الحياة حيث سلك أخذ من أثره قبضة فرماها في العجل فخار وقام حيّا . توراتها لوح ساقيها سنا وأنا * أتلو وأدرسها كأنني موسى الساق هنا جيء به لما كنى عنه ببلقيس والصرح وكانت قد كشفت عن ساقيها أي بينت أمرها ، ومنه قوله تعالى : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ [ القلم : 42 ] الأمر الذي يقوم عليه بيان الآخرة ، ومنه : وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ( 29 ) [ القيامة : 29 ] أي التفت أمر الدنيا بأمر الآخرة ، والتوراة من وزى الزّند فهو راجع إلى النور وينسب إلى التوراة أنّ لها أربعة أوجه فشبّه ساقيها بالتوراة في الأربعة أوجه ، والنور والأربعة الذين يحملون العرش الآن وهي الكتب الأربعة ، وستأتي الإشارة إليها مع مناظرتها مع أصحاب الكتب الأربعة في هذه القصيدة ، فكأنه يقول : إن أمر هذه الحكمة قام على النور ، ولذا قال :

--> ( 1 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 4 / 76 ) .