ابن عربي

15

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

سنا فإنّ النور الذي وقع به التشبيه إنما وقع بأربعة : المشكاة « 1 » والمصباح والزجاج والزيت المضاف إلى الزيتونة المنزهة عن الجهات الثابتة في خط الاعتدال ولما كنى عن ساقيها بالتوراة احتاج إلى ما يناسب ما وقع به التشبيه من التلاوة والدرس ، وذكر من أنزلت عليه ، وأتلو هنا أتبع وأدرسها ، أي أطأ أثرها فيتغير بصفتي كما يطأ أحدكم أثر غيره فيغيره بوطئه إلى شكل ما وطئه به ، فإن الدرس التغيير : أسقفة من بنات الرّوم عاطلة * ترى عليها من الأنوار ناموسا الأسقف : عظيم الروم ، والعاطلة : الخالية من الحليّ ، والناموس : الخير . والمقصد يقول : إنّ هذه الحكمة عيسوية المحتد ولهذا نسبها إلى الروم ، وقوله عاطلة : أي هي من عين التوحيد ليس عليها من زينة الأسماء الإلهية أثر كأنه جعلها ذاتية لا أسمائية ولا صفاتية ، ولكن يظهر عليها من الخير المحض ما يكنى عنه بالأنوار وهي السّبحات المحرقة التي لو رفع سبحانه الحجب النورانية والظلمانية لأحرقت سبحات وجهه ، فهذه السّبحات هي التي كنّى عنها بالأنوار التي في قوة هذه الحكمة العيسوية فهي الخير المحض إذ هي الذات المطلقة . وحشية ما بها أنس قد اتّخذت * في بيت خلوتها للذكر ناووسا الناووس : قبر من رخام كانت ملوك الروم تدفن فيها . [ المشاهدة ] المقصد يقول : إنّ هذه الحكمة العيسوية لا يقع بها أنس فإنّ مشاهدته فناء ليس فيها لذة كما قال السيادي : ما التذ عاقل بمشاهدة قط لأن مشاهدة الحق فناء ليس فيها لذة وجعلها وحشية أي أنها تشره إلى مثلها النفوس الشريفة وهي لا تألف إليها لعدم المناسبة ، فلهذا جعلها وحشية ، وقوله : بيت خلوتها فكنى بالبيت عن قلبه وخلوتها فيه نظرها إلى نفسها فإنّ الحق يقول : « ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن » « 2 » . ولما كان هذا القلب الذي وسع هذه الحكمة الذاتية العيسوية في مقام التجريد والتنزيه كان كالفلاة « 3 » وكانت فيه كالوحش ، فلهذا قال أيضا : وحشية ، ثم ذكر مدفن ملوك الروم تذكرة لها أي يتذكر الموت الذي هو فراق الشمل فألفت من التألف بعالم الأمر والخلق من أجل الفراق فيذكرها ذلك القبر حالة الفراق فيزهدها في اتخاذ الألفة . قد أعجزت كلّ علّام بملّتنا * وداوديّا وحبرا ثم قسّيسا

--> ( 1 ) المشكاة : ما يحمل عليه أو يوضع فيه القنديل أو المصباح . ( 2 ) أخرجه الزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 7 / 234 ) ، وعلي القاري في ( الأسرار المرفوعة 260 ، 310 ، 376 ) . ( 3 ) الفلاة : القفر من الأرض ، والصحراء الواسعة ، والمفازة لا ماء فيها ( ج ) فلوات وفلا .