ابن عربي
13
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
وقال رضي اللّه عنه : ما رحّلوا يوم بانوا البزّل العيسا * ألا وقد حملوا فيها الطّواويسا فيها بمعنى عليها ، والبزل : الإبل المسمّنة ، ورحلوها : جعلوا رحالها عليها ، والطواويس : كناية عن أحبّته شبههم بهنّ لحسنهن . [ الأعمال ] المقصد : البزل يريد الأعمال الباطنة والظاهرة ، فإنها التي ترفع الكلم الطيب إلى المستوى الأعلى ، كما قال تعالى : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [ فاطر : 10 ] . والطواويس المحمولة فيها أرواحها ، فإنه لا يكون العمل مقبولا ولا صالحا ولا حسنا إلا حتى يكون له روح مزينة عاملة أو همة وشبهها بالطيور لأنها روحانية وكنّى عنها أيضا بالطواويس لتنوع اختلافها في الحسن والجمال . من كلّ فاتكة الألحاظ مالكة * تخالها فوق عرش الدّرّ بلقيسا الفتك : القتل ، في صورة مالكة : حاكمة ، تخالها : تحسبها ، العرش : السرير ، بلقيس : المذكورة في القرآن في قصة سليمان عليه السلام . المقصد : يقول من كل حكمة إلهية حصلت للعبد في خلوته فقتلته عن مشاهدة ذاته وحكمت عليه ، فإذا رأيتها حسبتها فوق سرير الدّر « 1 » يشير إلى ما تجلى لجبريل والنبي عليهما الصلاة والسلام في بعض إسرائه في رفرف الدّر والياقوت « 2 » عند سماء الدنيا ، فغشي على جبريل وحده لعلمه بمن تجلى له في ذلك الرفرف الدريّ ، وسمّاها بلقيسا لتولدها بين العلم والعمل ، فالعمل كثيف والعلم لطيف ، كما كانت بلقيس متولدة بين الجنّ والإنس « 3 » ، فإن أمّها من الإنس وأباها من الجنّ ، ولو كان أبوها من الإنس وأمها من الجن لكانت ولادتها عندهم ، وكانت تغلب عليها الروحانية ، ولهذا ظهرت بلقيس عندنا . إذا تمشّت على صرح الزّجاج ترى * شمسا على فلك في حجر إدريسا إذا تمشت : أي إذا سرت وسارت . [ المقامات ] المقصد : ذكر صرح الزجاج لما شبهها ببلقيس ، وشبه الصرح بالفلك وكنى بإدريس عن مقام الرفعة والعلوّ وكونها في حجره أي في حكمه من جهة تصريفه إياها
--> ( 1 ) الدّرّ : كبار اللؤلؤ . ( 2 ) الياقوت : حجر من الأحجار الكريمة ، صلب ثقيل شفاف مشرب بالحمرة أو الزرقة أو الصفرة ( ج ) يواقيت . ( 3 ) الجان : اسم جمع للجن . وقد خلقهم اللّه من مارج من نار ، وقد سموا بذلك لاستتارهم واختفائهم عن الأبصار . والإنس : البشر وواحده إنسي ، والجمع أناسي .