ابن عربي
112
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
جهة محبوبه أبدا أدبا وعشقا فما هو معه إلّا على أحد ثلاثة أوجه ، إما المواجهة وهي التي كنّى بها بالصّبا . وهي القبول أيضا ، وإما الجنوب : وهي التي تأتي عن اليمين ، وإما الشمال وهي التي تأتي من جهة القلب ، فالصّبا تعطيه علم خلق اللّه آدم على صورته ، والجنوب تفيده علم أصحاب اليمين وهي القوة الإلهية المقرون معها السلام ، والشمال تفيده عين المقربين وهو المقام الذي بين النبوة والصديقية ، ولا يناله إلا الأفراد خاصة والخضر منهم ، وقد شهد له القرآن بذلك ، وهو مقام عزيز ما يعثر عليه كل أحد من أهل طريقتنا ، وأما أبو حامد رحمه اللّه فأنكره لأنه لم يكن له فيه قدم ولا عرفه فتخيل أنه من تخطا رقاب الصديقين من الأولياء ، فقد وقع في النبوة وأساء الأدب ، وليس الأمر كما زعم أبو حامد ، فإن هذا المقام الذي نبهنا عليه هو بين الصديقية والنبوة ، وهو المقام الذي وقع التنبيه عليه في حق الصديق الأكبر بالسر الذي وقر في صدره نطق على المقربين في قلب العارف ، فقال : عندي فرج يعرفه ريح الجنوب وهي الأزيب وهي لغة الملكية ، وبهذا الاسم تسميها أهل اليمن . قيل : وما هو الفرج ؟ قال : إنما يطرأ العذاب على المحبين من عدم الملاءمة لما في أغراضهم ، فإذا فني المحب عن غرضه وكان مع ما يريده منه وبه محبوبه صار كل شيء في هواه حسنا لأنه غرض لمحبوبه فيه وإرادته كما قيل ، وكل ما يفعل المحبوب محبوب وعذب العذاب منهم في رضاهم كان عنده أحلى من الشهد « 1 » ، وإذا كان الأمر بهذه المثابة ويكون المحب صادقا في هذا المقام لم يشكو ما يجد ولا يجد حزنا ولا يشكو تعبا ، فإنّ إرادته عين إرادة محبوبه ، فقد اتفق له جميع ما يريده ومن اتفق له مراده فهو مسرور ، فلذا قال بعد ذلك ، ثم أخذ يقول في صورة وعدهم : فإلى ما وعلى ما ولما * يشتكي « 2 » البثّ وتشكو الوصبا وإذا ما وعدوكم ما ترى * برقه إلّا بريقا خلّبا يقول : إذا وقع الوعد منهم كان مثل برق الخلب وهو البرق الذي ليس معه رعد ولا مطر أي لا ينتج شيئا كالريح العقيم ، وإن وعدهم هنا إنما هو بمشهد ذاتي ، ولهذا شبهه بالبرق وجعله خلّبا لأنّ المشهد الذاتي لا ينتج شيئا في قلب العبد لأنه لا ينضبط ولا يتحصل منه سوى شهوده عند خفقانه فإنه يتعالى عن أن يحصره كون أصلا بخلاف التجلي في الصورة في عالم التمثل ، فإنّ ذلك الرائي بضبط صورة ما تجلى له ويعبر عنها كما ورد في الخبر من ذلك كثير فما لا صورة له حسية . رقم الغيم على ردن الغما * من سنا البرق طرازا مذهبا « 3 »
--> ( 1 ) الشّهد : العسل غير مفصول عن شمعه . القطعة منه شهدة ( ج ) شهاد . ( 2 ) في نسخة أخرى : تشتكي . ( 3 ) الرّدن : الكم ( ج ) أردان وأردنة .