ابن عربي
113
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
فجرت أدمعها منها على * صحن خدّيها ، فأذكت لهبا قوله : رقم الغيم على ردن الغما ، يريد المعنى الذي تضمنه قوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ [ البقرة : 210 ] وكنّى بالغيم عن المغيب ، وقد تبدل الباء ميما يقال : لازم ولازب ، وجعله رقما لنفوده فله الدلالة عليه سبحانه من وجهين فكما يستدل عليه سبحانه في عالم الشهادة كذلك يستدل عليه في عالم الغيب كما ورد في الخبر : « أنّ الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم » فإنّ الطراز هو العلم الذي في الثوب مشتق من العلامة وجعله من البرق يرد دلالة ذاتية وجعله مذهبا لأنّ الذهب أشرف ما يرقم به ويستعمل وجعل الرقم على الردن وهي الكم محل اليد التي تقع فيها البيعة الإلهية وأوقع الدلالة في الثوب لكونه يظهر على صورة اللابس ، وقد وسعه قلب العبد المؤمن التقي الورع ، وقد قال : « كنت سمعه وبصره » فلهذا جعله موضع العلامة عليه فالمقصود أنه يريد إشهادا ذاتيا خلف حجاب الكون لتحقق عبد إلهي به محبوب أنّ اللّه خلق آدم على صورته ، وفي رواية على صورة الرحمن وقوله : فجرت أدمعها يعني ما أمطرته الغمامة من المعارف الشهودية في روضات القلوب الإلهية ، فأذكت لهبا ؛ أي أورثت في القلوب اصطلاما وهيبة وعظمة ثم قال : وردة نابتة من أدمع * نرجس تمطر غيثا عجبا « 1 » يقول : معارف الاصطلام تحرق ولا تنبت ، وهذه قد أنبتت ، وشبه العيون بالنرجس . يقول : والرؤية تعطي علما بقوله : تمطر غيثا من أعجب الأشياء لأنّ المرائي لا ينضبط هنا ولا يحصل في النفوس منه علم تضبطه النفس عند الانفصال من حالة الرؤية لأنّ المرائي لا يتقيد فلا ينضبط في العالم التقييدي وكل ما سوى الحق فهو مقيد الذات فإنه مرتبط وجوده بوجود خالقه إذ لولاه لم يكن ، ثم قال : ومتى رمت جناها أرسلت * عطف صدغيها عليها عقربا يقول : متى رمت استفادة منها لتحصيل صفة تشرف النفس نسبتها منعك من ذلك صفة وجهية تحرقك سبحاتها « 2 » فلا تصل إلى ذلك أبدا . تشرق الشمس إذا ما ابتسمت * ربّ ما أنور ذاك الحببا « 3 » يقول : تظهر العلوم القطبية التي عليها مدار علوم العالم إذا كان من هذه الصفة مثل هذا القبول الذي كنّى عنه بالتبسم وشبه بريق أسنانها ببريق الحبب .
--> ( 1 ) النّرجس : جنس نباتات بصلية حولية من فصيلة النرجسيات . أنواعه كثيرة العدد ، يعيش ويجود في جميع الأتربة الزراعية ، ومنه أنواع تزرع لجمال زهرها وطيب رائحتها وزهرته تشبّه بها الأعين . ( 2 ) سبحات وجه اللّه : أنواره وجلالته . ( 3 ) الحبب : الفقاقيع على وجه الماء ونحوه .