ابن عربي
110
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
وبأجواز الفلا من إضم * نعم ترعى عليها وظبا « 1 » يقول : برؤية الكثيب الأبيض معارف أنتجها الصدق ، وكنّى عن الصدق بالقطا ، يقال : أصدق من القطا ، قوله : ضرب الحسن ، أي ألبس عليه من آثار المشاهدة ، أي في حقيقة ، يريد حضرة المشاهدة ، وقوله : وبأجواز الفلا ، يقول : وبمعظم مقامات التجريد والتفريد من إضم ، يشير إلى موضع يعطي التواضع والتنزيه ، يقول : وبهذه الحالة التي كنّى عنها بالموضع معارف قد ألفتها النفوس لأنها نتائجها ، فكنّى عنها بالنعم ومعارف لم تألفها النفوس هي شرد لكن انقادت إليه بحكم العناية الإلهية فكنّى عنها بالظبا ، وهذان الصنفان من المعارف مكتسب من مقام التجريد والتفريد . يا خليليّ قفا واستنطقا * رسم دار بعدهم قد خربا واندبا قلب فتى فارقه * يوم بانوا ، وابكيا وانتحبا قوله : يا خليليّ يخاطب عقله وإيمانه ، يقول لهما : استنطقا في موقف من المواقف الإلهية أثر منازل الأحباب بعد رحيلهم عنها وخرابها بعدهم ، فإنّ القلوب إذا فارقت أصحابها متوجهة نحو حضرة الحق التي هي محبوبة لها ، تتصف النفس بالخراب لعدم الساكن ، كما قال بعضهم : ضاع قلبي أين أطلبه * ما أرى جسمي له وطنا كان حزني بعد بعدكم * وسروري بعدكم حزنا وكثيرا ما يذكر الشعراء هذه القصيدة في باب النسيب والهوى : علّه يخبر حيث يمّموا * ألجرعاء الحمى ، أو لقبا رحّلوا العيس ، ولم أشعر بهم * ألسهو كان أم طرف نبا يقول : لعله كلمة ترّج وتوقع يخبر حيث قصدوا وتوجهوا ، يعني القلب ، والجرعاء : المقام تجرع الغصص من آلام الفوت ، فينتج عندي تجرع الغصص من آلام الفراق والحمى موضع يحرم الدخول فيه ، ونيل ما يحويه من العلوم لنزاهته عن تعلق الكون أم لقبا أم لموضع الراحة الذي هو قبا فإنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يزوره كل سبت لمناسبة الراحة الذي هو قبا ، فإنّ السبت الراحة ، وبها يسمى السبت سبتا ، وقوله : رحلوا العيس ، يعني بالعيس الهمم امتطتها القلوب من غير علم مني بذلك ، ولا أدري السهو كان مني أو نبا طرفي عن إدراك ذلك من غير سهو ، فأخذ يقول : لم يكن ذاك ، ولا هذا ، وما * كان إلّا وله قد غلبا قال : ما سهوت ولا نبا طرفي ، وإنما شغلي بحبه حجبني عنه ، كما حكي عن
--> ( 1 ) النّعم : الإبل ، أو الإبل والبقر والغنم إذا أريد جماعة الأصناف الثلاثة ( ج ) أنعام .