ابن عربي

109

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

حتى وقفت بها برملة حاجر * فرأيت نوقا بالأثيل خوالفا يقول : وصلت إلى حالة ميزت لي بين الأشياء وفصلته لي ، ومنعتني أن أنظر إلى غير ما جلته لي ، فكان الذي رأيت نوقا بالأثيل خوالفا ، أي علوما أصلية تنتج علوما أخر لمن قامت به ، فإنّ الخوالف النوق العظام التي لها أتباع . ثم قال : يقتادها قمر عليه مهابة * فطويت من حذر عليه شراسفا يقول : يقتاد هذه الخوالف قمر حالة شهودية في صورة قمرية في مقام الإجلال والهيبة ، والشراسف : أطراف الأضلاع حيث انحناؤه ، ولهذا قال : فطويت من حذر عليه لئلا يذهب عني فأفقده شراسفا كما تحنو على محبوبك إذا حصل عندك ، ولما كان القلب محل السعة الربانية ونعت الحق سبحانه نفسه ، وأنه في قلوب عباده على الوجه الذي يليق بهذا القدر من غير تشبيه ولا حصر ولا تكييف ولا تقييد ، ثم شبه تجليه بالقمر ، وقوله : يقتادها من قوله تعالى : ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها [ هود : 56 ] ، ثم قال : قمر تعرّض في الطّواف فلم أكن * بسواه عند طوافه بي طائفا يمحو بفاضل برده آثاره * فتحار لو كنت الدّليل القائفا « 1 » قمر تعرض في الطواف : صفة إحاطية كما إحاطة الطائف بالبيت في طوافه منه بي ومني به من حيث نيتي لا من حيث هويته ، وقوله : يمحو بفاضل برده آثاره ، أي هذه الأدلة التي نصبها دليلا عليه محاها ب لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] ، وب سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 180 ) [ الصافات : 180 ] ، فأوقف العالم في مقام الجهل والعجز والحيرة ليعرف العارفون ما طلب منهم من العلم به وما لا يمكن أن يعلم منه فيتأدبون ولا يتجاوزون مقاديرهم ، كما قالت اليهود في الخبر النبوي المشهور من كون الحق يضع الأرض يوم القيامة على أصبع والسماوات على أصبع « 2 » الحديث ، فقرأ النبي صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [ الزمر : 67 ] . [ مقامات التجريد وخراب منازل الأحباب بعد رحيلهم عنها ] وقال رضي اللّه عنه : بأثيلات النّقا سرب قطا * ضرب الحسن عليها طنبا « 3 »

--> ( 1 ) القائف : من يعرف الآثار ويتتبعها . أو من يعرف النسب بفراسته ونظره إلى أعضاء المولود ( ج ) قافة . ( 2 ) أخرجه البخاري ( توحيد 19 ، 26 ، 36 ) ، ( تفسير سورة 39 ) ، ومسلم ( منافقين 19 ، 21 ) ، والترمذي ( تفسير سورة 39 ، 3 ) . ( 3 ) القطا : جنس طير ، أنواعه عديدة ، قريبة الشبه من الحمام ، وهي سريعة الطيران ، تطير مسافات شاسعة في طلب القوت والماء ، وتألف الصحارى ، وتعيش أسرابا كبيرة ( ج ) قطوات وقطيات .