ابن عربي
108
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
المصطلح بها تضيق عن تفهيم ما لا يدرك بها إلا ذوقا ومشاهدة ، وقوله : تلهي العارفا ، يعني عن معرفته وعن نفسه بمشاهدته ، لأن العلم بالشيء وشهوده لا يجتمعان . ثم قال : مهما رنت سلّت عليك صوارما * ويريك مبسمها بريقا خاطفا يا صاحبيّ ! قفا بأكناف الحمى * من حاجر ، يا صاحبيّ قفا قفا يقول : هذه الحقيقة إذا نظرت إليك أثرت فيك تأثير الصوارم في الجسوم يريد ما تعطيه من آثار المجاهدة والمشاق ويريك مبسمها بريقا خاطفا ، يقول : يعطيك مشهدا ذاتيا في حال جمال وأنس ، لكنه يخطفك عنك ، فلا تبقى معك . وقوله : يا صاحبي يخاطب عقله وإيمانه يقول لهما : قفا بأكناف نواحي الحمى حجاب العزة إلا حمى من حاجر ، أي أنه موضع التحجير عن أن يدركه كون ، فالكل من ورائه وقف وعنده منتهى علوم العالمين ومعرفة العارفين . حتى أسائل أين سارت عيسهم * فقد اقتحمت معاطبا ومتالفا ومعالما ومجاهلا بشملّة * تشكو الوجى ، وسباسبا وتنائفا مطوية الأتراب « 1 » أذهب سيرها * بحثيثة منها قوى وسدائفا أراد بالعيس : الهمم التي هي مطايا العلوم واللطائف الإنسانية لأنّ بها يبلغ المقصود ، كما قال العارف ، والهمم للوصول فقد اقتحمت أي ولجت الغمرات وارتكبت المهالك التي تورث العطب والتلف منها ما كان معلوم لنا أنه متلف وخبنا جسدنا على اقتحامه مع المعرفة ، لأنّ المعرفة والمحبة تورث الشجاعة بك بلا شك ولا ريب ، ومنها ما كان مجهولا لنا حتى حصلنا فيه فأتلفنا ، أي رميت نفسي من حبها فيما أعلم وفيما لا أعلم ، يقول : إنه لم يفكر في عاقبة ولا خير في حب يدبر بالعقل . وقوله : بشملة كناية عن همة معينة منه لأمر مخصوص وقع له التعشق به ، وقوله : تشكو الوجى ، يعني الحفا ؛ أي أنها لما حصلت بالوادي المقدس قيل لها : اخلع نعليك ، وكانت محمدية ، فشكت الحفا لمناسبة الطهارة في النعل ، والوادي والسباسب والتنايف حالات التنزيه من جانب الحق والتجريد من جانبه ، ووصفها بأنها مطوية الأقراب لأنه أقوى في سيرها وأنهض لها فاستغاث ، وقوله : أذهب سرعة سيرها منها قوى ؛ أي كان لهذه الهمة وجوه كثيرة تتعلق بها ، فلما علقها بهذه الوحدانية حجبها عما كان لها من القوى في تعلقها بالكثرة فكأنه أضعفها ، كما يضعف البعير إذا ذهبت سدايفه التي هي شحمه وقوته . ثم قال :
--> ( 1 ) في نسخة أخرى : الأقراب .